أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٨ - الأصل العملي في المقام
أن يؤتي بمتعلّقات التكاليف الموجّهة إليه فقط حتّى لو كانت نسبة المصالح و الملاكات إلى متعلّقات التكاليف من قبيل المسبّبات التوليديّة إلى أسبابها أو من قبيل العلّة و المعلول التكوينيين، لأنّ الواجب في الحقيقة إنّما هو ذات المتعلّق لا بما أنّه سبب أو علّة، فالغسلتان و المسحتان في باب الوضوء مثلًا واجبتان بذاتهما لا بما إنّهما موجبتان للطهارة الباطنية، لأنّ هذا أمر خفي علينا لا بدّ للشارع من بيان أسبابه، فإذا شكّ في مدخلية شيء في تماميّة علّيته أو سببيته و لم يكن دليل على أخذه في متعلّق التكليف فلا دليل على لزوم الإتيان به على العبد فيكون الشكّ شكّاً في ثبوت التكليف و موجباً لجريان البراءة.
هذا كلّه بناءً على أن يكون حال متعلّقات التكاليف بالنسبة إلى ملاكاتها من قبيل الأسباب و المسبّبات التوليديّة أو من قبيل العلّة و المعلول التكوينيين، و أمّا إذا كان من قبيل المعدّ و المعدّ له كما هو الحقّ فعدم وجوب تحصيل الغرض أوضح لأنّه ليس حينئذٍ من فعل العبد، فاللازم عليه هو إتيان متعلّق التكاليف فقط.
و إن شئت قلت: إنّ العبد لا يفهم من أمر المولى بالصّلاة مثلًا إلّا لزوم الإتيان بالقيام و الركوع و السجود و نحوها، و أمّا كيفية الغرض و خصوصياته و أنّه بأي طريق يحصل فهي من شئون المولى، وعليه أن يبيّن للعبد الأسباب الموصلة إليه كالطبيب الذي عليه أن يبيّن للمريض مقدار الدواء و طريق استعماله، و أمّا كيفية تأثيره و مقداره فهو أمر مرتبط بالطبيب و لا يفهمه المريض و إلّا صار طبيباً، و حينئذٍ ليس على العبد إلّا العمل بالمتعلّقات بمقدار ما وصل إليه من البيان.
نعم إذا علم العبد تفصيلًا بغرض المولى و بأنّه لا يحصل بمتعلّق الأمر فقط يجب عليه إتيان المشكوك أيضاً كما إذا أمره المولى بالإتيان بالماء و علم أنّ الغرض منه رفع عطشه، فلو اهرق الماء بعد وصوله بيد المولى كان اللازم على العبد الإتيان به مرّة اخرى لعدم حصول الغرض، و أمّا في صورة الاحتمال أو العلم الإجمالي فلا يجب عليه إلّا الإتيان بمتعلّق الأمر بمقدار البيان و إلّا لم يبق مورد للبراءة مطلقاً بل يجري الاشتغال في جميع موارد الشكّ.
ثالثاً: سلّمنا بوجوب تحصيل الغرض على العبد لكن تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالنسبة إلى الغرض أيضاً كما تجري بالنسبة إلى المأمور به لأنّه يمكن للمولى أن يبيّن مقدار غرضه، فكما أنّ المأمور به أمره دائر بين الأقلّ و الأكثر كذلك الغرض، فإنّه أيضاً مقول