أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥٢ - التنبيه الأوّل في الاضطرار إلى المحرّم
لأنّ النهي لأجل الزجر مع وجود الأمر بالخروج عقلًا أو شرعاً يستلزم التكليف بما لا يطاق.
و إن شئت قلت: إنّ جريان القاعدة في ما نحن فيه لا يوجب جريان النهي تكليفاً و فعلًا بل يوجب ترتّب العقاب فقط، و كم له في الشرع من نظير، كما إذا أراق المكلّف الماء بعد دخول الوقت فصار فاقداً للماء بسوء اختياره فإنّ سوء الاختيار فيه يوجب تحقّق المعصية و ترتّب العقاب فقط و لا يوجب أن يكون أمر الشارع و بعثه إلى الوضوء فعليّاً بعد.
و لذا قال جماعة من الأكابر: إنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً لا خطاباً و تكليفاً.
و أمّا القول الثاني: و هو ما ذهب إليه صاحب الفصول من أنّ الخروج واجب فعلًا مع جريان حكم المعصية عليه للنهي السابق الساقط- فهو الحقّ المختار لو كان مراده من جريان حكم المعصية وجود ملاك النهي في المتعلّق فقط، و أمّا إذا كان المراد أن الخروج منهيّ عنه الآن بالنهي السابق، أي أنّه مشمول للنهي السابق و يكون زمان تعلّق النهي مقدّماً على زمان متعلّقه فمضافاً إلى عدم كونه معقولًا كما سيأتي في بيان القول الثالث، يرد عليه ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) من «أنّ تعلّق الحكمين بفعل واحد ممتنع و لو كان زمان الإيجاب مغايراً لزمان التحريم لأنّ الاعتبار في الاستحالة و الإمكان إنّما هو باتّحاد زمان صدور الفعل و تعدّده لا باتّحاد زمان الإيجاب و التحريم و تعدّده من حيث أنفسهما» [١].
أمّا القول الثالث: و هو خلو الفعل من أيّ حكم شرعي فعلي بل أنّه واجب عقلًا من باب أقلّ المحذورين مع جريان العقاب لأجل النهي السابق الساقط فيحتمل أن يكون المقصود من جريان حكم النهي السابق فيه مجرّد ترتّب العقاب فقط من دون كون الفعل منهيّاً عنه الآن بالنهي، السابق و هذا هو مختار بعض الأعلام في هامش أجود التقريرات و قد أسنده المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى المحقّق الخراساني (رحمه الله). و يحتمل أن يكون الفعل أيضاً منهيّاً عنه فعلًا لكن لا بالنهي الفعلي بل بالنهي السابق كما هو ظاهر ما مرّ من كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و لكن لا يخفى عدم كونه معقولًا لأنّه بعد سقوط النهي السابق عن الفعليّة لا يعقل كون متعلّقه منهيّاً عنه، فعلًا فالصحيح في هذا الوجه هو الاحتمال الأوّل.
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ٣٧٤- ٣٧٥.