أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٤٨ - الأمر الثالث في إمكان وقوعه في كلام اللَّه تعالى
بالحرف: عين/ العين الجارحة ... و يستعار العين لمعانٍ هي موجودة في الجارحة بنظرات مختلفة، و يستعار للثُقب في المِزادة تشبيهاً بها في الهيئة و في سيلان الماء منها، فاشتقّ منها سقاءٌ عيِّن ... و المتجسّس عين تشبيهاً بها في نظرها، و قيل للذهب عين تشبيهاً بها في كونها أفضل الجواهر، كما أنّ هذه الجارحة أفضل الجوارح، و منه قيل: أعيان القوم لأفاضلهم، و أعيان الاخوّة لبني أب و أُمّ ... و يقال لمنبع الماء عين تشبيهاً بها لما فيها من الماء، و عن عين الماء اشتقّ «ماء معين» أي ظاهر للعيون ... و يقال لبقر الوحش «أعين» و «عيناء» لحسن عينيه. (انتهى).
و لا يخفى أنّ هذه العبارة تنادي بأعلى صوته أنّ العين ليس مشتركاً لفظيّاً، و الظاهر عدم اختصاص هذا المعنى بهذه اللّفظة، بل يجري في كثير من الألفاظ التي يدّعي اشتراكها.
اللهمّ إلّا أن يقال في خصوص لفظ «العين» إنّ ما ذكره الراغب في المفردات إنّما هو بيان لوجه استعمال العين في غير الجارحة المعروفة، و العلاقة الموجودة بينهما، و لكن بعد كثرة الاستعمال صار حقيقة فيها كما هو حقيقة في الجارحة المعروفة، فحصل الاشتراك اللّفظي.
و على كلّ حال نحن و إن قلنا بأنّ كثيراً من الألفاظ التي يتصوّر اشتراكها لفظاً تكون من المشترك المعنوي واقعاً، و لكن ما قد يظهر من بعض (مثل صاحب كتاب: «التحقيق في كلمات القرآن الكريم») من إرجاع جميع الكلمات المشتركة الواردة في القرآن الكريم إلى أصل واحد ممّا لا دليل عليه، و لا داعي له، و من أقوى الأدلّة على نفي هذا القول بعض التكلّفات التي ارتكبها في كثير من اللغات المشتركة بداعي ارجاعها إلى أصل واحد.
الأمر الثالث: في إمكان وقوعه في كلام اللَّه تعالى
و يدلّ عليه أوّلًا: أنّه مقتضى بلاغة الكلام لأنّها تقتضي أحياناً إطلاق الكلام مجملًا مردّداً، و لا إشكال في أنّ كلام اللَّه تعالى أبلغ الكلمات.
و ثانياً: ما قد يقال: إنّ أدلّ الدليل على إمكان شيء وقوعه، و لقد وقع استعمال المشترك في القرآن نحو لفظ العين فإنّه تارةً استعمل في العين الجارية في قوله تعالى «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ»* و اخرى في العين الباكية في قوله تعالى: «وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ» و لكن قد عرفت الإشكال في كون لفظ العين من المشتركات اللّفظيّة.
هذا تمام الكلام فيما أردناه من الامور الثلاثة بعنوان المقدّمة.