أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٢ - ثمرة المسألة
و المفروض زواله بقاءً.
قلنا: الموضوع للقضيّة المتيقّنة إنّما هو عنوان المكلّف، و أمّا الاستطاعة فهي تعدّ من حالات الموضوع لا مقوّماته، و عنوان المكلّف باقٍ على الفرض، و سيأتي في مباحث الاستصحاب تعيين الملاك في كون شيء من حالات الموضوع أو مقوّماته.
هذا كلّه بالنسبة إلى الأصل العملي، و هو البراءة في موردين و الاستصحاب في مورد واحد.
أمّا الأصل اللّفظي: فيدور الأمر فيه في الواقع مدار إطلاق المادّة و إطلاق الهيئة و أنّه هل يقدّم إطلاق الهيئة على إطلاق المادّة حتّى تكون نتيجته رجوع القيد إلى المادّة و كون الشرط شرطاً للواجب، أو يكون المقدّم إطلاق المادّة فيرجع القيد إلى الهيئة و نتيجته كون الشرط شرطاً للوجوب؟
ذهب الشّيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) إلى تقديم إطلاق الهيئة على إطلاق المادّة، و يمكن الاستدلال له بوجهين:
الوجه الأوّل: أنّ إطلاق الهيئة شمولي و إطلاق المادّة بدلي، و من المعلوم أنّ الإطلاق الشمولي ممّا يقدّم على البدلي، فإذا شككنا مثلًا في قوله تعالى: «لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» أنّ قيد الاستطاعة يرجع إلى هيئة «للَّه على الناس» التي مفادها وجوب الحجّ، أو يرجع إلى المادّة (و هي الحجّ) قدّمنا إطلاق الهيئة، و صارت النتيجة وجوب الحجّ مطلقاً مع اشتراط صحّته بالاستطاعة، يعني يجب تحصيل الاستطاعة له.
الوجه الثاني: أنّ تقييد الهيئة ممّا يوجب بطلان محلّ الإطلاق في المادّة بخلاف العكس، أي لا يبقى مع تقييد الهيئة محلّ لاطلاق المادّة فإذا فرض تقييد مفاد الهيئة و هو الوجوب بالاستطاعة مثلًا فلا يبقى محلّ لاطلاق الحجّ بالنسبة إلى الاستطاعة، إذ الحجّ لا ينفكّ عن الاستطاعة فيقيّد بتقييد الوجوب قهراً، بخلاف ما إذا فرض تقييد الحجّ بالاستطاعة، فيبقى معه مجال لاطلاق الوجوب، و ذلك لجواز تقييده حينئذ بالاستطاعة، و من المعلوم أنّه كلّما دار الأمر بين تقييدين أحدهما يبطل محلّ الإطلاق في الآخر دون العكس كان العكس أولى، لأنّ التقييد و إن لم يكن مجازاً و لكنّه خلاف الأصل، و رجوع القيد إلى المادّة لازمه ارتكاب خلاف واحد للأصل لأنّه تقييد واحد، و رجوع القيد إلى الهيئة لازمه ارتكاب خلافين للأصل لأنّه يرجع إلى تقييدين.