أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦٢ - التنبيه الثالث في مرجّحات النهي على الأمر
أمّا الثاني: الذي اشير إليه أيضاً في بعض كلمات المحقّق الخراساني (رحمه الله) فلأنّه إن كان نظره إلى جانب المعنوي لمورد الاجتماع فقط أو إلى بعده الاجتماعي فقط أو إلى المضارّ و المنافع التي تترتّب عليه في طول الزمان، أي التي تترتّب عليه مع الواسطة أو الوسائط، و لم يكن النظر إلى الجهات المادّية و الفرديّة و إلى المنافع و المضارّ التي تترتّب بدون الواسطة و في زمان الحال، فما أفاده في محلّه، فتكون المصالح و المفاسد غير المضارّ و المنافع كما لا يخفى، و أمّا إن كان المقصود هو الأعمّ من المنافع أو المضارّ المعنويّة و المادّية و الأعمّ ممّا يترتّب في الحال أو في طول الزمان و من الاجتماعيّة و الفرديّة و مما يترتّب مع الواسطة و من دون الواسطة، فلا فرق حينئذٍ بين المصالح و المنافع و بين المفاسد و المضارّ بل يمكن أن يتصوّر لواجب من الواجبات مصلحة أو منفعة معنويّة مع شموله لمفسدة أو مضرّة مادّية، نظير الزّكاة مثلًا فإنّها توجب ضرراً مادّياً مع أنّها موجبة لبركات أخلاقيّة و معنويّة بل بركات مادّية أيضاً في طول الزمان كما أشار إليه في الحديث بقوله: «حصّنوا أموالكم بالزّكاة» حيث إنّ تحصين الأموال مصلحة دنيويّة مادّية، و في حديث آخر: «إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه» فإنّ حفظ الآخرة للفقير بالبذل و الانفاق منفعة أو مصلحة اخرويّة بل و دنيويّة كما لا يخفى، هذا كلّه من جانب، و من جانب آخر تكون الزّكاة شاملة على الظاهر على مفاسد أو مضارّ فرديّة مع أنّها توجب في البعد الاجتماعي حفظ كيان النظام و الدفاع عن ثغور المملكة، و هاتان مصلحتان أو منفعتان اجتماعيتان.
و ما ذكرنا يشهد عليه عمل العقلاء في يومنا هذا، فإنّهم يعطون الضرائب التي وضعت عليهم من جانب دولهم و حكّامهم طوعاً و رغبة لما تشتمله من المنافع الاجتماعيّة.
هذا كلّه في الواجبات، و كذلك في المحرّمات، فيمكن أن يتصوّر لمعصية من المعاصي منافع مادّية كالتطفيف في باب المعاملات مع أنّها شاملة لمضرّات معنويّة بل مادّية من جانب آخر، و الرّوايات ناطقة بذلك، فقد ورد في الحديث «الأمانة تجلب الغناء و الخيانة تورث الفقر» كما يشهد على ذلك العرف و الوجدان، فإنّا نشاهد بوجداننا أن التطفيف أو الخيانة مثلًا توجب ظهور الغشّ في المجتمع و زوال الأمن الاقتصادي و تفريغ البنوك الداخليّة من الثروات و إخراجها منها إلى البنوك الخارجيّة الأجنبيّة و ذلك لوجود الغشّ و الخيانة في الاولى مثلًا و وجود الدقّة و الأمانة في الثانيّة، أ لا ترى خروج الثروات العظيمة الضخمة في يومنا هذا من