أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٤ - أدلّة القائلين بالاختيار
اختياريّة القسم الأوّل كما لا إشكال في أنّه يقضي باختياريّة القسم الثاني و الثالث، بل لو اقيمت صورة الف برهان على العكس نعلم إجمالًا بوجود اختلال في بعض مقدّماته، لأنّه لا يقاوم الوجدان.
و أمّا الوجدان العمومي فلا إشكال أيضاً في أنّ جميع العقلاء من الإلهي و المادّي حتّى القائلين بمذهب الجبر يحكمون بأنّ المسئول في الجرائم و التخلّفات و الجنايات إنّما هو الإنسان نفسه، فيذمّونه و يجعلون لشخص المتخلّف غرامة معيّنة، و القول بالجبر يستلزم كون جميع المحاكم القضائيّة ظالمة و يستلزم أن يكون جميع المجازات ظلماً.
و بعبارة اخرى: أنّ أصل المجازاة و استحقاق الظالم لها وجداني و إن كانت كيفيتها و خصوصياتها اعتباريّة و مجعولة من قبل المقنّن المشرّع.
و هذا ممّا يقضي به الجبريون أيضاً بوجدانهم، و المنكر إنّما ينكره باللسان و قلبه مطمئن بالايمان، نظير إنكار السوفسطائي لأصل الوجود و المثالي للوجود الخارجي، فلا إشكال في أنّ القائلين بهذه المقالات يعترفون في مقام العمل بوجود الأعيان الخارجيّة كالنار و الماء و الهواء و السيارات و الطيّارات فيطلبونها و يركبونها كسائر الناس من دون أي فرق.
كذلك العالم الجبري إذا قام في ميدان العمل و رأى نفسه في المجتمع البشري يلوم من غصبه حقّه و يشكو منه و يرى تعزيره و سجنه عدلًا بينما تكون جميع هذه الامور على اعتقاده ظلماً و جوراً.
و يؤيّد ما ذكرنا من قضاء الوجدان بالاختيار ما رواه في اصول الكافي عن أمير المؤمنين ٧ أنّه كان جالساً بالكوفة منصرفة من صفّين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه، ثمّ قال له: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أ بقضاء من اللَّه و قدر؟ فقال أمير المؤمنين ٧: «أجل يا شيخ، ما علوتم تلعة و لا هبطتم بطن وادٍ إلّا بقضاء من اللَّه و قدر» فقال له الشّيخ:
عند اللَّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين؟ فقال له: «مه يا شيخ فو اللَّه لقد عظّم اللَّه الأجر في مسيركم و أنتم سائرون و في مقامكم و أنتم مقيمون و في منصرفكم و أنتم منصرفون و لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين و لا إليه مضطرّين» فقال له الشّيخ: و كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين و لا إليه مضطرّين و كان بالقضاء و القدر مسيرنا و منقلبنا و منصرفنا؟ فقال له: «و تظنّ أنّه كان قضاء حتماً و قدراً لازماً؟ إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و الأمر