أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩١ - الأمر الرابع الكلام في الطهارات الثلاث
التيمّم أيضاً، و من الغايات المترتّبة على الوضوء هو الكون على الطهارة، فيترتّب هو على التيمّم أيضاً و نتيجته كون التيمّم أيضاً، مستحبّاً نفسيّاً بنفس المعنى في الوضوء.
الثاني: أنّ الأمر النفسي الاستحبابي المتعلّق بها كثيراً ما يكون مغفولًا عنه و لا سيّما للعامي، بل ربّما يكون الشخص معتقداً عدمه باجتهاد أو تقليد أو نحو ذلك، و مع هذا يكون الإتيان بها بداعي التوصّل بأمرها الغيري صحيحاً، فلو كان منشأ عباديتها ذلك الأمر النفسي لم تقع صحيحة.
و اجيب عنه: بأنّ الاكتفاء بقصد أمرها الغيري إنّما هو لأجل أنّه لا يدعو إلّا إلى ما هو عبادة في نفسه، فإنّها المقدّمة و المتعلّق للأمر الغيري، فإذا أتى بالطهارات بداعي أمرها الغيري فقد قصد في الحقيقة إتيان ما هو عبادة في نفسه إجمالًا فيكون قصد الأمر الغيري عنواناً إجمالياً و مرآةً واقعياً لقصد ما هو العبادة في نفسه.
الوجه الثالث: أنّ اعتبار قصد القربة في الطهارات ليس لأجل أنّ الأمر المقدّمي ممّا يقتضي التعبّديّة (أي عدم حصول الغرض منه إلّا إذا أتى بالفعل بداعي القربة) بل لأجل أنّ ذوات تلك الحركات الخاصّة في الوضوء و الغسل و التيمّم ليست مقدّمة للصّلاة بل هي بعنوان خاصّ تكون مقدّمة لها، و حيث لا نعلم تفصيل ذلك العنوان المأخوذ فيها فنأتي بتلك الحركات بداعي أمرها الغيري كي يكون إشارة إلى ذاك العنوان، فإنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى متعلّقه، فإذا أتينا بتلك الحركات بداعي وجوبها الغيري فقد أتينا بها بعنوانها الخاصّ المأخوذ فيها، و الحاصل أنّ قصد الأمر هنا إنّما هو لتحصيل العنوان القصدي لا للحصول على القربة الذي يتمكّن منها بقصد الطاعة.
و لكن يرد عليه إشكالات عديدة:
منها: أنّ لازمه كفاية تحقّق مجرّد العنوان في تحقّق الامتثال و عدم اعتبار عباديّته مع أنّ عباديّة الطهارات إجماعيّة.
و إن شئت قلت: أنّه لو كان وجه اعتبار قصد الأمر في الطهارات الثلاث هو الإشارة إلى العنوان الخاصّ المأخوذ فيها لجازت الإشارة إليه بقصد الأمر وصفاً أيضاً بأن كان أصل الداعي لإتيانه شيئاً آخر غير قربى فيقول مثلًا: إنّي آتٍ بالوضوء الواجب لأجل التبريد أو التنظيف و نحوهما من الدواعي النفسانيّة، فيكون قصد الأمر حينئذ بنحو التوصيف كافياً