أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦ - ٤- المعاني الحرفيّة
المنوّعة أو المصنّفة أو المشخّصة أو بالقياس إلى حالات شخص واحد، و من الضروري أنّ غرض المتكلّم كما يتعلّق بإفادة المفهوم على إطلاقه وسعته كذلك قد يتعلّق بإفادة حصّة خاصّة منه كما في قولك «الصّلاة في المسجد حكمها كذا»، و حيث إنّ حصص المعنى الواحد فضلًا عن المعاني الكثيرة غير متناهية، فلا بدّ للواضع الحكيم من وضع ما يوجب تخصيص المعنى و تقييده، و ليس ذلك إلّا الحروف و الهيئات ... و بذلك يظهر أنّ إيجاد الحروف لمعانيها إنّما هو باعتبار حدوث الضيق في مرحلة الإثبات و الدلالة، و إلّا لكان المفهوم متّصفاً بالاطلاق و السعة ... و إمّا باعتبار مقام الثبوت فالكاشف عن تعلّق القصد بإفادة المعنى الضيّق إنّما هو الحرف» [١].
أقول: يرد عليه امور:
أحدها: إنّ هناك قسماً ثالثاً من الحروف لا يجري فيه شيء ممّا ذكره كالحروف العاطفة فإنّها ليست إنشائيّة كما أنّها ليست لبيان الحصص الخاصّة من المعاني الاسميّة و غيرها.
ثانيها: إنّه قد تكون الحروف لتضييق النسب الموجودة في الكلام التي هي بنفسها من المعاني الحرفيّة كقولك «عليك بإكرام زيد في دارك» فإنّ كلمة «في» هنا إنّما هي لتضييق نسبة الإكرام إلى زيد لا تقييد الإكرام و لا تقييد نفس زيد كما لا يخفى على المتأمّل.
ثالثها: و هو العمدة ما أوردناه سابقاً على مذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو أنّ التضييق لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون مع الحكاية و الدلالة على الخارج أو بدونها، فإن لم يكن مع الدلالة فلا معنى له، و إن كان مع الحكاية و الدلالة فيكون دور الحروف أوّلًا هو الدلالة على معنى و الحكاية عن الخارج، ثمّ تضييق المعاني الاسميّة بواسطتها.
أمّا القول الخامس: فقد مرّ بيانه و يزيدك توضيحاً: إنّ الموجودات الممكنة على ثلاثة أقسام:
الأوّل: وجود في نفسه لنفسه، أي وجود مستقلّ في الذهن و الخارج و هو الجوهر، نحو الروح و الجسم.
الثاني: وجود في نفسه لغيره فيكون مستقلًا في المفهوم فقط و لكن إذا وجد وجد في
[١] راجع أجود التقريرات: ج ١، ص ١٨- ١٩.