أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٧ - ٤- المعاني الحرفيّة
الموضوع و هو العرض، نحو البياض و السواد.
الثالث: وجود في غيره لغيره فلا استقلال له لا في المفهوم و لا في الخارج.
و لكلّ من هذه الأقسام في عالم اللفظ كلمات تدلّ عليها و ما يدلّ على القسم الثالث منها هو الحروف: فهي تدلّ على مفاهيم غير مستقلّة في الذهن و الخارج و تكون حاكيات عنها كما يظهر بمراجعة الوجدان و لا تدلّ على الإيجاد أو التضييق إلّا بسبب دلالتها على ما ذكرنا كما مرّ.
و لقد أجاد بعض الأعاظم حيث قال: إنّ معاني الحروف غير مستقلّة في أربع جهات: في الوجود الخارجي، و الوجود الذهني و في الدلالة، بمعنى إنّ دلالتها على المعاني ليست بمستقلّة فلا يكون لكلمة «في» مجرّداً عن الاسم أو الفعل مدلولًا، و في كيفية الدلالة، فلا استقلال لها في الإفراد و التثنية و الجمع مثلًا بل تكون تابعة لموردها، فإن كان المورد مفرداً تكون دلالتها على النسبة أيضاً مفردة و هكذا.
هذا و لكن مع ذلك كلّه فهنا سؤالان نذكرهما و نجيب عنهما:
١- ما هو الدليل على أنّ الحروف وضعت للقسم الثالث من هذه المفاهيم؟ فإنّ ما ذكر هو مجرّد دعوى.
الجواب: هو بأنّه مقتضى حكمة الوضع، لأنّا نشاهد في الجمل الخبريّة و غيرها اموراً لا يحكي الاسم عنها و لا الفعل، فالحكمة تقتضي أن توضع بإزائها أيضاً كلمة كما وضعت للمعاني الاسميّة و الفعليّة، و ليست هي إلّا الحروف، و يدلّ عليه التبادر أيضاً.
٢- ما هو الوجه فيما إذا استعملنا الحروف في الواجب تعالى أو الممتنع، و قلنا مثلًا: «هو الذي في السماء إله» أو «اجتماع النقيضين في محلّ واحد محال»، فكيف تدلّ كلمة «في» في الجملة الاولى على وجود نسبة حقيقية بين الواجب و السماء، و في الثانيّة على وجود نسبة بين «اجتماع النقيضين» الذي لا وجود له، و «محلّ واحد»؟ أ ليس هذا من المجاز؟
الجواب: هو أنّ حكمة الوضع في الألفاظ هي رفع الحاجات اليوميّة، و بالطبع يكون المقياس هو المعاني الممكنة الاعتياديّة، بل ربّما لم يكن الواضع معتقداً بالواجب، أو لا يتحقّق له تصوّر للممتنع، و حينئذٍ يكون الموضوع له للألفاظ هو خصوص الممكنات أوّلًا و بالذات، فإذا استعمل في الواجب أو الممتنع يوسّع المعنى أو يضيق، و سيأتي بيانه و توضيحه إن شاء اللَّه تعالى في مبحث المشتقّ.