أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٧ - الثاني دوافع القول بالجبر
اختياره و إرادته تعالى فهي ناشئة حقيقة من اختيار اللَّه و إرادته، لأنّ إرادة الملزوم لا تنفكّ عن إرادة اللازم، فهذا هو الأمر بين الأمرين.
فهو كما ذكره بعض الأعلام نظير ما إذا فرضنا أنّ يد العبد مشلولة لا يتمكّن من تحريكها إلّا مع إيصال الحرارة إليها بالقوّة الكهربائيّة، فأوصل المولى القوّة إليها بوساطة سلك الكهرباء الذي يكون زرّه بيد المولى فقام العبد باختياره بفعل حسن أو قبيح، و المولى كان يعلم بذلك فحينئذ يكون الفعل اختياريّاً للعبد و يستند إليه حقيقة لأنّه صدر منه باختياره، و يستند إلى مولاه أيضاً حقيقة لأنّ السلك بيد المولى و هو الذي يعطي القوّة للعبد آناً فآناً.
نعم ما يستند إلى العبد إنّما هو نسبة المسئوليّة، و ما يستند إلى المولى إنّما هو نسبة الخالقية كما لا يخفى.
الثاني: دوافع القول بالجبر
و هي على ثلاثة أنواع: فلسفية، روحية (نفسانيّة)، سياسيّة.
أمّا الأسباب الفلسفية فهي امور:
١- ملاحظة تفاوت الأشخاص من حيث الذاتيات و الاستعدادات، فبعضهم ذو سريرة حسنة و لبعضهم الآخر سريرة سيّئة خبيثة من أوّل الأمر و قبل التأثّر بتربية مربّ و تعليم معلّم من الخارج.
٢- ملاحظة تأثير المحيط و العائلة، فالذين تولّدوا في محيط طيّب و عائلة طيّبة لهم روحيات و صفات طيّبة أيضاً في الغالب، و بخلاف الذين تولّدوا و نشئوا في محيط سيئ أو عائلة غير أصيلة فلهم خلقيات وضيعة دنيئة غالباً.
٣- الانغمار في مسألة التوحيد الأفعالي و توهّم أنّه لا يلائم فاعلية غير اللَّه تعالى في أفعاله.
٤- عدم القدرة على حلّ مشكلة الإرادة و كيفية جريان قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد» مع القول بالاختيار و عدم الجبر، فهذه الامور جميعاً أو شتاتاً صوّرت أنّ الحقّ مع مذهب الجبر، غفلوا عن أنّ تأثير النفسانيات أو المحيط و المجتمع إنّما هي على حدّ الاقتضاء و العلّية الناقصة، فربّ إنسان له سريرة حسنة لكن بسوء اختياره يهوى إلى النار، و ربّ إنسان له سريرة سيّئة ينجو بحسن اختياره و يعمل على تحسين سريرته و خلقياته و يكون من أهل الجنّة.