أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٧١ - الأمر الرابع هل النهي في المقام يختصّ بالنهي التحريمي أو يعمّ التنزيهي أيضاً؟
عموم النزاع بالنسبة إلى التنزيهي و المقدّمي، أمّا بالنسبة إلى التنزيهي فلعموم الملاك (و هو عدم كون المنهي عنه مقرّباً إلى اللَّه تعالى)، و أمّا بالنسبة إلى الغيري فلأنّ الفرق بينه و بين النفسي إنّما هو في ترتّب العقوبة على الأوّل دون الثاني و لا دخل لاستحقاق العقوبة على المخالفة و عدمه في كون النهي سبباً للفساد و عدمه، حيث إنّ الملاك على القول به هو نفس الحرمة و هي موجودة بعينها في النهي الغيري سواءً كان أصليّاً كالنهي عن الصّلاة في أيّام الحيض، أو تبعيّاً كالنهي عن الصّلاة لأجل الإزالة، و يؤيّد ذلك (عموم ملاك البحث للنهي الغيري) جعل ثمرة النزاع في مبحث الضدّ- كما هو المعروف- فساد الضدّ إذا كان عبادة كالصّلاة و نحوها مع أنّ النهي هنا غيري مقدّمي (انتهى بتوضيح).
أقول: إنّ ما أفاده بالنسبة إلى النهي التنزيهي فهو في محلّه لنفس ما ذكره من عموم الملاك، و أمّا بالنسبة إلى النهي الغيري فهو غير تامّ لأنّ ما لا عقاب له لا يكون مبعّداً وجداناً، و أمّا استشهاده بمسألة الضدّ ففيه ما مرّ هناك من أنّ النهي عن الضدّ لا يوجب فساد العبادة لأجل كونه غيريّاً فهذا المثال أجنبي عن المطلوب و إن كان مشهوراً.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه ذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى اختصاص النزاع بالنهي التحريمي النفسي و أنّ النهي التنزيهي أو الغيري لا يدلّان على فساد العبادة قطعاً (أمّا الأوّل) فلأنّ النهي التنزيهي عن فرد لا ينافي الرخصة الضمنية المستفادة من إطلاق الأمر فلا يكون بينهما معارضة ليقيّد به إطلاقه، نعم إذا كان شخص المأمور به منهيّاً عنه كما إذا كان إطلاق الأمر شموليّاً، فلا محالة يقع التعارض بين دليليهما، فإذا قدّم دليل النهي فلا موجب لتوهّم الصحّة مع وجود النهي، لكن هذا الفرض خارج عن محلّ الكلام، لأنّ محلّ الكلام إنّما هو فيما إذا كانت دلالة النهي على الفساد هو الموجب لوقوع المعارضة بين دليلي الأمر و النهي و لتقييد متعلّق الأمر بغير ما تعلّق به النهي، و من الواضح أنّ التعارض في مفروض الكلام لا يتوقّف على دلالة النهي على الفساد أصلًا، (و أمّا الثاني) أعني به النهي الغيري فهو على قسمين:
الأوّل: ما كان نهياً شرعياً أصليّاً مسوقاً لبيان اعتبار قيد عدمي في المأمور به كالنهي عن الصّلاة في غير المأكول فلا إشكال في دلالته على الفساد بداهة أنّ المأمور به إذا اخذ فيه قيد عدمي فلا محالة يقع فاسداً بعدم اقترانه به و هذا خارج عن محلّ الكلام، إذ حال هذه النواهي حال الأوامر المتعلّقة بالاجزاء و الشرائط المسوقة لبيان الجزئيّة و الشرطيّة.