أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٧ - الجهة الثانيّة دلالة النهي على التحريم
فتكون تلك الغلبة كاشفاً عن تعلّق المصلحة بصرف الوجود المتحقّق بإيجاد فرد، كما أنّ المفسدة في النهي تترتّب على كلّ فرد فتكون قرينة عامّة على أنّ النهي متعلّق بإيجاد كلّ فرد باستقلاله) بأنّه إن أراد من تعلّق النهي بكلّ فرد أنّ المادّة أخذت مرآة للخصوصيات و الزجر تعلّق بكلّ فرد فقد عرفت امتناع مرآتيتها لها و ضعف ما يتمسّك لإثباتها من سريان الطبيعة و اتّحادها معها، و إن أراد أنّ النهي متعلّق بالطبيعة إلّا أنّ تلك الغلبة قرينة على أنّ جدّ المولى هو الزجر عن كلّ فرد.
ففيه: أنّ الزجر مفاد النهي الاستعمالي، فإذا استعملت الهيئة في نفس الطبيعة دون الأفراد فلا يرجع كون الزجر عن الأفراد جدّاً إلى محصّل إلّا أن يرجع إلى التشبّث بالاستعمال المجازي و هو كما ترى [١].
أقول: قد مرّ أنّ الطبيعة تكون مرآة للافراد في جميع الحالات، و توضيحه: إنّا حينما فتحنا أعيننا رأينا الأفراد و تصوّرناها قبل تصوّر الطبيعة، ثمّ نظرنا و لاحظنا أنّ الأفراد تختلف بالنسبة إلى الاغراض التي تتعلّق بها، فتارةً: يتعلّق الغرض بفرد خاصّ مع الخصوصيّة الفرديّة فوضعنا اللفظ بإزائه علماً شخصيّاً، و اخرى: يتعلّق الغرض بجميع الأفراد لا بفرد خاصّ فلا دخل فيه للخصوصيات الفرديّة فانتزعنا من جميع المصاديق جامعاً عقليّاً و وضعنا اللفظ بإزائه و سمّيناه بالطبيعة، و حينئذٍ تكون الطبيعة متولّدة من مشاهدة الأفراد و ملاحظتها، بل إنّ هذا هو الطريق الوحيد في إدراك المفاهيم أيضاً، و لا إشكال في أنّ لازم هذا أن تكون الطبيعة مرآة إلى الوجودات الفرديّة الخارجيّة و إن لم تكن مرآة لخصوصياتها الشخصيّة.
الجهة الثانيّة: دلالة النهي على التحريم
أنّه لا إشكال في دلالة النهي على الحرمة (كما أنّ الأمر كان دالًا على الوجوب) إنّما الإشكال في أنّ هذه الدلالة هل هي مقتضى الوضع فتكون استعمال النهي في الكراهة مجازاً، أو أنّها مقتضى الإطلاق و مقدّمات الحكمة فيكون الاستعمال في الكراهة أيضاً استعمالًا حقيقياً؟
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٢٩٦- ٢٩٧، طبع مهر.