أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧٢ - الفصل الرابع عشر إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا؟
قوله «لا تشرب الخمر» إنّما هو البعث إلى الصّلاة و الزجر عن شرب الخمر، لا جعل ثبوت الصّلاة في الذمّة أو جعل المحروميّة عن الشرب فإنّه مخالف لاتّفاق أرباب اللّغة و الاصوليين من أنّ معنى الأمر طلب الفعل أو البعث إلى الفعل، و أنّ معنى النهي طلب الترك أو الزجر عن الفعل، فالتعبير بالدَين أو البقاء في الذمّة في بعض الكلمات (حيث يعبّر مثلًا أنّ الصّلاة باقية على ذمّتي أو إنّي مديون بها) بالنسبة إلى الأحكام التكليفية يكون من قبيل العناية و المجاز بلا إشكال.
ثانياً: ينتقض كلامه بالاباحة التي هي أيضاً من الأحكام الخمسة حيث إنّه لا معنى محصّل لجعل الجواز أو الإباحة على ذمّة المكلّف فيلزم التفكيك بينه و بين سائر الأحكام التكليفية مع أنّ جميعها من سنخ واحد، فتأمّل.
ثالثاً: إنّ بيانه بالنسبة إلى الاستحباب و الكراهة مستبطن لنوع من التناقض في الجعل، لأنّ الجعل على الذمّة لازمه كون المكلّف مديوناً للشارع، و الدَّين لا يجتمع مع الترخيص عند العرف و العقلاء كما في الديون الماليّة، فإن كان الإنسان مديوناً فلا يكون مرخّصاً و إن كان مرخّصاً فلا يكون مديوناً.
رابعاً: إنّ ما ذكره بالنسبة إلى الحرمة أيضاً لا يمكن الالتزام به لأنّ المحروميّة أمر عدمي لا يقبل الجعل و الاعتبار، إلّا أن يراد منه جعل الترك و الكفّ، و هو و إن كان موافقاً لما ذهب إليه القدماء من الاصوليين و لكنّه خلاف التحقيق عند المحقّقين المتأخّرين حيث ذهبوا إلى أنّ النهي عبارة عن الزجر عن الفعل لا طلب الترك أو الكفّ.
خامساً: سلّمنا ما ذكره بالنسبة إلى حقيقة الحكم و لكنّه لا ينافي تصوير الجنس و الفصل هنا و دعوى بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل، لأنّ الوجوب و الاستحباب بناءً على هذا المبنى مشتركان في كون كليهما مجعولًا على ذمّة المكلّف إلّا أنّ الشارع نصب القرينة على الترخيص في أحدهما دون الآخر، فلهما قدر مشترك، و هو أصل اعتبار الشارع ثبوت الفعل على الذمّة (فيكون بمنزلة الجنس لهما) و يكون لكلّ واحد منهما أمر يختصّ به، و هو عدم الترخيص في الترك في الوجوب (فيكون بمنزلة الفصل للوجوب) و الترخيص في الترك في الاستحباب (فيكون بمنزلة الفصل للاستحباب) و حينئذٍ يمكن أن يقال: إنّ عدم الترخيص يرفع بدليل الناسخ، و أمّا أصل الاعتبار فيبقى على حاله.