أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦٤ - الأمر الثاني في دلالتها على الوجوب
و على تعبير بعض الأعاظم لنفس البعث و الاغراء (فإنّها تعابير مختلفة و المقصود واحد) فإنّه تارةً يطلب الإنسان شيئاً بنفسه مباشرة فيتحرّك نحو الماء مثلًا لرفع العطش بنفسه، و اخرى يطلبه بالتسبيب، و الثاني على قسمين: تارةً يحرّك الإنسان الشخص المأمور نحو المأمور به بحركة تكوينيّة فيبعثه نحو العمل بعثاً خارجياً و يدفعه بقوّة يده مثلًا، و اخرى يحرّكه و يبعثه نحو العمل بإبراز إرادته و طلبه النفساني بلفظ خاصّ، و من الألفاظ التي يستعملها الإنسان في القسم الثاني صيغة الأمر فإنّها لفظ ينشأ بها الطلب، و يتوسّل به إلى مطلوبه.
ثمّ إنّ دواعي هذا البعث و الإنشاء مختلفة: فتارةً يكون الداعي فيه الإيجاد في الخارج جدّاً، فيكون الطلب طلباً جدّياً، و اخرى لا يكون بداعي الجدّ بل بداعي الهزل أو التحقير أو التعجيز أو التهديد أو التمنّي أو الترجّي، و لكنّه لا يوجب الاختلاف في المستعمل فيه بل إنّه في جميع هذه الموارد واحد، و هو البعث و الطلب، و التفاوت إنّما هو في الداعي فحسب.
فقولك: أقم الصّلاة، لا يختلف عن قولك «اعمل ما شئت»! في أنّ المستعمل في كليهما هو الطلب الإنشائي، و الفرق بينهما إنّما هو في أنّ الداعي لقولك الأوّل إنّما هو الجدّ و إيجاد العمل في الخارج حقيقة، و في الثاني التهديد و إيجاد الخوف الرادع العمل، و هذا ممّا يشهد عليه الوجدان و يعضده التبادر، و حينئذٍ يكون الاستعمال في جميعها حقيقيّاً و لا مجاز في البين أصلًا.
الأمر الثاني: في دلالتها على الوجوب
لا ينبغي الإشكال في أنّه إذا جاءت صيغة الأمر مطلقة و بدون القرينة فانّه يفهم منها الوجوب كما عليه سيرة الفقهاء في الفقه في مقام العمل و الاستنباط فإنّهم يعدّون صيغة الأمر حجّة على الوجوب إذا استعملت في الكلام مجرّدة عن القرينة، وعليه بناء العقلاء عموماً في أوامر الموالي إلى من تحت حكمهم، إنّما الكلام و الإشكال في منشأ هذا الظهور و هذه الدلالة، و فيه أربع احتمالات:
الاحتمال الأوّل: ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية، فإنّه أسندها إلى التبادر و قال: لا يبعد تبادر الوجوب عند استعمالها بلا قرينة.
و لكن اشكاله واضح فإنّه يستلزم المجاز عند استعمال الصيغة في الندب، مع أنّ الوجدان يحكم بخلافه، فإنّا لا نرى في استعمالها في الندب عناية و لا رعاية علاقة من علاقات المجاز