أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦٦ - الأمر الثاني في دلالتها على الوجوب
و بدونها لا معنى لبنائهم على الوجوب.
الاحتمال الرابع: ما أفاده المحقّق العراقي (رحمه الله) و هو نفس ما ذهب إليه في المقام الأوّل، أي في مبحث مادّة الأمر من أنّ دلالتها على الوجوب إنّما تنشأ من قضيّة الإطلاق و مقدّمات الحكمة ببيانين:
أحدهما: أنّ الطلب الوجوبي لمّا كان أكمل بالنسبة إلى الطلب الاستحبابي فلا جرم أن كان مقتضى الإطلاق عند الدوران هو الحمل على الطلب الوجوبي إذ الطلب الاستحبابي باعتبار ما فيه من النقص يحتاج إلى نحو تحديد و تقييد.
ثانيهما: أنّ الأمر بعد أن كان فيه اقتضاء لوجود متعلّقه في الخارج (و لو باعتبار منشئيته للحكم بلزوم الإطاعة و الامتثال) يكون اقتضاؤه تارةً بنحو يوجب مجرّد خروج العمل عن اللااقتضائيّة بحيث كان حكم العقل بالإيجاد من جهة الرغبة لما يترتّب عليه من الأجر و الثواب فحسب، و اخرى يكون اقتضاؤه لتحريك العبد بالإيجاد بنحو أتمّ بحيث يوجب سدّ باب عدمه حتّى من طرف العقوبة على المخالفة علاوة عمّا يترتّب على إيجاده من المثوبة الموعودة، و في مثل ذلك. نقول: إنّ قضيّة إطلاق الأمر يقتضي كونه على النحو الثاني لأنّ النحو الأوّل فيه جهة نقص فيحتاج إرادته إلى مئونة بيان [١]. (انتهى مع تلخيص في عبارته).
أقول: أمّا بيانه الأوّل ففيه: أنّ غاية ما يقتضيه هو كون الطلب ذا مراتب: خفيفة و هي الاستحباب، و شديدة و هي الوجوب، كما أنّ الوجوب أو الاستحباب أيضاً ذا مراتب كثيرة، و مجرّد ذلك لا يوجب انصراف الطلب إلى أحدها دون الآخر كما أنّ النور ذو مراتب مختلفة و لا يكون إطلاقه منصرفاً إلى بعض أفراده و هو النور الشديد، بل كلّ واحد يحتاج إلى البيان فإنّ كلّ واحد له حدّ.
و أمّا بيانه الثاني: فإن كان المراد منه الانصراف إلى الفرد الأكمل فهو أيضاً قابل للمناقشة، لأنّ الانصراف إلى الفرد الأكمل ممّا لا دليل عليه، فلذا لا ينصرف «العالم» إلى أعلم العلماء، و إن كان المراد ما ذكرناه في مادّة الأمر فهو حقّ لا ريب فيه.
توضيح ذلك: أنّ صيغة الأمر تدعو إلى إيجاد الفعل في الخارج من دون أن يتطرّق إليه
[١] نهاية الأفكار: ج ١، ص ١٦١- ١٦٣، طبع جماعة المدرّسين.