أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٨ - رجوع القيد إلى الهيئة أو المادّة
عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ ضرورة عدم إمكان تخلّف الوجود عن الإيجاد و أمّا بناءً على مختارنا (و هي ما مرّ آنفاً) فيندفع الإشكال المذكور من أصله» [١].
أقول: و قد بني على هذا المبنى في معنى الإنشاء نتائج كثيرة في علم الاصول:
أوّلًا: أنّه خلاف الوجدان حيث إنّ الوجدان حاكم بأنّ البائع مثلًا في قوله «بعت» إنّما يكون في مقام إيجاد شيء في عالم الاعتبار لا الأخبار عن اعتبار موجود في نفسه.
و ثانياً: أنّ لازمه تطرّق احتمال الصدق و الكذب في الإنشاء كالاخبار (حيث إنّ الإبراز المذكور في كلامه لو كان مطابقاً لما في ضمير المبرز فهو صادق و إلّا كان كاذباً) و هو ممّا لا يلتزم به أحد.
و ثالثاً- و هو العمدة- أنّ الإنشاء إيجاد في عالم اعتبار العقلاء و القوانين العقلائيّة (لا في عالم الخارج و لا في عالم الذهن) فتوجد بقول البائع «بعت» ملكيّة قانونيّة في عالم الاعتبار في مقابل الملكيّة الخارجيّة و السلطنة الخارجيّة على الأموال، و بعبارة اخرى: كانت الملكيّة و السلطة في أوّل الأمر منحصرة عند العقلاء في السلطة الخارجيّة ثمّ أضافوا إليها قسماً آخر من السلطة و هي السلطة القانونيّة و اعتبروا لايجادها أسباباً لفظيّة و غيرها، فما ذكره من أنّ «الإيجاد في عالم الخارج لا معنى له، و في عالم النفس لا يحتاج إلى الإنشاء اللّفظي» مدفوع بأنّه إيجاد في وعاء اعتبار العقلاء بالتوسّل بأسبابها.
أضف إلى ذلك كلّه أنّ ما ذكره لا يتصوّر بالنسبة إلى بعض أنواع الإنشاء مثل النداء و الإشارة فإنّه لا معنى لوجود شيء في نفس المنادي أو المشير باسم النداء و الإشارة بل الموجود قبل التلفّظ بأداة النداء أو الإشارة إنّما هو إرادة النداء أو الإشارة فحسب، و أمّا نفس النداء أو الإشارة فإنّما توجد بأداتها مع نيّتها.
و بهذا يظهر أنّ الحقّ في حقيقة الإنشاء إنّما هو مذهب المشهور من أنّه إيجاد لا إخبار.
الوجه الثالث: ما أفاده في تهذيب الاصول و إليك نصّ كلامه: «إنّ الخلط نشأ من إسراء حكم الحقائق إلى الاعتبارات التي لم تشمّ و لن تشمّ رائحة الوجود حتّى يجري عليه أحكام الوجود، و لعمري أنّ ذلك هو المنشأ الوحيد في الاشتباهات الواقعة في العلوم الاعتباريّة إذ
[١] راجع المحاضرات: ج ٢، ص ٣٢٣.