أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٦ - رجوع القيد إلى الهيئة أو المادّة
القضايا الحقيقية و شاملة لجميع المكلّفين الواجدين منهم للشرائط المذكورة فيها و غيرهم، فوجوب الحجّ مثلًا يشمل المستطيع فعلًا و من سيستطيع، و عندئذٍ لا بدّ من صدور الخطاب بشكل القضيّة الشرطيّة حتّى يكون فعليّاً بالنسبة إلى من كان الشرط محققاً له الآن، و استقبالياً بالنسبة إلى من يحصل الشرط له فيما بعد، أي يكون الخطاب الواحد بالنسبة إلى بعض فعليّاً و بالنسبة إلى آخر مشروطاً تقديريّاً، و الغفلة عن هذه الحقيقة أوجبت الإيراد باللغويّة.
أضف إلى ذلك أنّه ربّما يلزم تقديم الإنشاء لمراعاة حال المكلّف و لو كان الإنشاء شخصيّاً لكي لا يواجه التكليف فجأةً بل يكون على ذكر منه فيهيّئ نفسه للامتثال، أو مراعاة حال نفسه فلا يكون بحاجة إلى خطاب جديد مثلًا، فلعلّه لا يتمكّن في ذلك الوقت من الإيجاب و الإنشاء (و هذا ما يجري حتّى في القضايا الشخصيّة فضلًا عن الحقيقية الكلّية) إلى غير ذلك من المصالح.
الأمر الرابع: أنّ الإنسان إذا توجّه إلى شيء و التفت إليه فلا يخلو: إمّا أن يطلبه أم لا، و لا ثالث في البين، لا كلام على الثاني، و على الأوّل لا يخلو من أنّ الفائدة إمّا أن تقوم بطبيعي ذلك الشيء من دون دخل خصوصيّة من الخصوصيّات فيها، أو تقوم بحصّة خاصّة منه، و على الأوّل فطبيعي أن يطلبه المولى على إطلاقه وسعته، و على الثاني يطلبه مقيّداً بقيد خاص، و هذا القيد، تارةً يكون اختياريّاً و اخرى غير اختياري، و على الأوّل تارةً يكون مورداً للطلب و البعث، و ذلك كالطهارة مثلًا بالإضافة إلى الصّلاة، و اخرى لا يكون كذلك بل أخذ مفروض الوجود، و ذلك كالاستطاعة بالإضافة إلى الحجّ، و على الثاني أي فرض كونه غير اختياري فهو لا محالة أخذ مفروض الوجود في مقام الطلب و الجعل لعدم صحّة تعلّق التكليف به، و كزوال الشمس بالإضافة إلى وجوب الصّلاة، و على جميع التقادير فالطلب فعلي و مطلق، و المطلوب مقيد من دون فرق بين كونه اختياريّاً أو غير اختياري، و نتيجته رجوع القيد بشتّى ألوانه إلى المادّة.
و يرد عليه: أيضاً أنّ الاحتمالات لا تنحصر في ما ذكر، و الحصر ليس بحاصر، بل هنا احتمال آخر لم يشر إليه المستدلّ في كلامه، حيث إنّ الإنسان إذا التفت إلى شيء فإمّا أن لا يطلبه مطلقاً فلا كلام فيه، و إمّا أن يطلبه مطلقاً أي لا يكون طلبه مشروطاً بشيء و معلّقاً على