أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٥ - رجوع القيد إلى الهيئة أو المادّة
البصرة إلى الكوفة» مثلًا كلّي تتصوّر له أفراد كثيرة بملاحظة وجود بوّابات كثيرة مثلًا للبصرة أو الكوفة و أمكنة متعدّدة لابتداء السير، فالامتثال لهذا الأمر له مصاديق كثيرة، و كلّ ما كان له مصاديق كثيرة كان كلّياً.
و أمّا كونها إيجاديّة و أنّ الإيجاد جزئي حقيقي فيمكن الجواب عنه أيضاً بأنّه كذلك، أي يكون الإيجاد جزئيّاً حقيقيّاً، و لكن البحث هنا ليس بحثاً عن التقييد بمعنى التضييق و التخصيص بل أنّه بحث عن التقييد بمعنى التعليق، و سيأتي في الوجه الرابع أنّ أحدهما غير الآخر حيث إنّ التعليق إيجاد على فرض، فيمكن تعليق الإيجاد أو الوجود على شيء مفروض الوجود و إن لم يمكن تقييده، فلا مانع مثلًا من تعليق وجود إكرام زيد و لو بنحو خاصّ على مجيئه و إن كان جزئيّاً حقيقياً.
الأمر الثاني: ما يستفاد من كلمات بعض الأعاظم من أنّ المعنى الحرفي و إن كان كلّياً إلّا أنّه ملحوظ باللحاظ الآلي و لا يلحظ استقلالًا حتّى يمكن تقييده، حيث إنّ التقييد أو الإطلاق من شئون المعاني الملحوظة باللحاظ الاستقلالي [١].
و يرد عليه: أيضاً إنّا لم نقبل في محلّه كون المعاني الحرفيّة معاني مرآتيّة آليّة بمعنى المغفول عنها، بل قد ذكرنا هناك أنّه ربّما يكون المعنى الحرفي أيضاً مستقلًا في اللحاظ بهذا المعنى و يكون تمام الالتفات و التوجّه إليه كما إذا قلت: هل الطائر في الدار أو على الدار؟ و مرادك السؤال عن «الظرفيّة» و «الاستعلاء» في مثل الطائر الذي تعلم بوجود نسبة بينه و بين الدار، لكن لا تدري أنّ هذه النسبة هي الظرفيّة أو الاستعلاء.
نعم، إنّ المعاني الحرفيّة تابعة للمعاني الاسمية في الوجود الخارجي و الذهني، و لا إشكال في أنّ التبعيّة في الوجود لا تلازم كون المعنى الحرفي مغفولًا عنه، فقد وقع الخلط هنا بين التبعيّة في الوجود الذهني و عدم قيام المفهوم بنفسه و بين الغفلة عنه مع أنّ بينهما بون بعيد.
الأمر الثالث: لزوم اللغويّة حيث أنّه إذا كان الوجوب استقبالياً فلا ثمرة للايجاب و الإنشاء في الحال، و بعبارة اخرى: إذا لم يكن المنشأ طلباً فعليّاً يكون الإنشاء لغواً.
و الجواب عنه واضح: لأنّ المفروض أنّ أحكام الشارع أحكام كلّية تصدر على نهج
[١] راجع أجود التقريرات: ج ١، ص ١٣١.