أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٧ - رجوع القيد إلى الهيئة أو المادّة
شيء، (و إن كان مطلوبه مقيّداً بشيء أحياناً) و إمّا أن يكون طلبه معلّقاً على شيء فهو لا يطلب و لا يبعث إلّا بعد حصول ذلك الشيء كالاستطاعة، و ما ذكره من الصور العديدة إنّما هي من شقوق القسم الأوّل (أي ما إذا كان طلبه مطلقاً)، و أمّا القسم الأخير فلم يأت به في كلامه (و إن أتى بمثاله و هو الحجّ بالنسبة إلى الاستطاعة و الصّلاة بالنسبة إلى دلوك الشمس) حيث إنّ كلامه في تقسيمات الواجب و المطلوب لا في تقسيمات الوجوب و الطلب، و القسم الأخير أي التعليق في الطلب هو المراد من الواجب المشروط عند المشهور، و سيأتي بيان ماهيته.
الأمر الخامس: أنّ رجوع الشرط إلى الهيئة دون المادّة يوجب تفكيك الإنشاء عن المنشأ، فالإنشاء يكون فعليّاً و المنشأ و هو وجوب الإكرام في مثال «إن جاءك زيد فأكرمه» يكون استقبالياً حاصلًا بعد المجيء، و هذا غير معقول بل هو أسوأ حالًا من تفكيك العلّة عن المعلول حيث إنّ العلّة و المعلول أمران واقعيان، و يكون الواقع فيهما متعدّداً، بخلاف الإنشاء و المنشأ أو الإيجاد و الوجود أو الإيجاب و الوجوب فإن الواقع فيهما واحد يكون إنشاءً أو إيجاداً أو إيجاباً إذا نسب إلى الفاعل، و يكون منشأً أو وجوداً أو وجوباً إذا نسب إلى القابل.
و قد اجيب عنه بوجوه:
الوجه الأوّل: ما أجاب به المحقّق الخراساني (رحمه الله) و حاصله: أنّ الإنشاء حيث تعلّق بالطلب التقديري، فلا بدّ أن لا يكون الطلب حاصلًا فعلًا قبل حصول الشرط و إلّا لزم تخلّف الإنشاء عن المنشأ.
و بعبارة اخرى: أنّ الطلب في الواجب المشروط تقديري، و لازمه عدم فعلية الطلب و الإنشاء، فلو كان الطلب فعليّاً يستلزم الخلف.
و لكن الإنصاف أنّه لا يندفع به الإشكال بل هو أشبه بالمصادرة، لأنّ الكلام في إمكان هذا النحو من الإنشاء بالوجدان مع أنّ الإنشاء هو الإيجاد، و الإيجاد أمره دائر بين الوجود و العدم، فإمّا وجد الإنشاء أو لم يوجد و لا ثالث له حتّى يسمّى بالإنشاء التقديري.
الوجه الثاني: ما أفاده بعض الأعلام و هو مبني على ما اختاره في المعاني الحرفيّة (من أنّ الإنشاء عبارة عن إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج بمبرز من قول أو فعل)، فإنّه قال: «الصحيح أن يقال أنّه لا مدفع لهذا الإشكال بناءً على نظرية المشهور من أنّ الإنشاء