أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٣ - الآيات الدالّة بصراحتها على نفي الجبر
جانبه يفاض على النفوس المستعدّة و القلوب المطهّرة بالأعمال الصالحة، كما أنّ الضلالة عبارة عن قطع الفيض و الاستعداد و التوفيق عن النفوس غير المساعدة و ذلك بسبب الأعمال السيّئة و النيّات الخبيثة الصادرة عنهم، فهذه الآيات مضافاً إلى أنّها غير دالّة على مذهب الجبر، ظاهرة بل كالصريحة في مذهب الاختيار، لأنّها بعد ضمّ بعضها إلى بعض تدلّ على أنّ الهداية و الضلالة ناشئتان من الإنسان نفسه و إن كان ذلك بتسبيب إلهي من باب أنّ الأسباب تستمد قوتها من ساحته المقدّسة، و من هنا تنسب المسبّبات إليه تعالى أيضاً حقيقة.
الآيات الدالّة بصراحتها على نفي الجبر:
ثمّ إنّ هناك آيات كثيرة تدلّ على الاختيار بصراحتها أو ظهورها، و هي على طوائف عديدة:
الطائفة الاولى: ما ينطق بمذهب الاختيار بالصراحة: نحو قوله تعالى «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً» [١] فإنّه يدلّ بوضوح على الاختيار خصوصاً بملاحظة ما قبله من الآية: «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً» [٢] (و المشيج بمعنى الخليط) فإنّه يستفاد منه أنّ الإنسان بحسب الفطرة مخلوط و معجون من أسباب الهداية و الضلالة و لذلك يكون في موقف الابتلاء و الامتحان بإراءة الطريق و هداية السبيل، فهو إمّا يشكر فيهتدي، و إمّا يكفر فيضلّ. و هو مجموع ما يستفاد من الآيتين، و نحو قوله تعالى: «وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» [٣].
و قوله تعالى: «إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا»* [٤].
و قوله تعالى: «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» [٥].
الطائفة الثانيّة: ما يدلّ على أنّ الإنسان رهين لأعماله، و لازمه كونه مختاراً و إلّا لا يكون مرتهناً بها:
[١] سورة الدهر: الآية ٣.
[٢] سورة الدهر: الآية ٢.
[٣] سورة الكهف: الآية ٢٩.
[٤] سورة المزمّل: الآية ١٩.
[٥] سورة التكوير: الآية ٢٧- ٢٨.