أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤ - المسألة الاولى موضوع كلّ علم
و كعلم الاصول فإنّه يدور مدار المباحث الاعتباريّة و القوانين التشريعيّة [١].
[١] توضيح ذلك: إنّ لنا نوعين من الإدراك: إدراك حقيقي و إدراك اعتباري، و الإدراك الحقيقي هو ما يكون المدرك فيه موجوداً في عالم الخارج مع قطع النظر عن الذهن المدرك له كإدراك السماء و الأرض و زيد و عمرو و غيرها من الامور الموجودة في عالم الأعيان.
و الإدراك الاعتباري ما يكون مدركه مخلوقاً لأذهاننا و مصنوعاً لها مثل الملكيّة و الزوجيّة، فانّ وجود «زيد» مثلًا في قضيّة «الدار لزيد» وجود واقعي في عالم الخارج و هكذا وجود «الدار»، و أمّا النسبة الموجودة بينهما و هي نسبة الملكيّة أمر ذهني اعتباري مصنوع لذهن من يعتبرها، و هكذا في قضيّة «هند زوجة زيد» فإنّ «زيداً» و «هنداً» كليهما أمران واقعيّان موجودان في الخارج، و أمّا رابطة الزوجيّة الموجودة بينهما أمر ذهني قانوني فحسب، و كذلك في جميع الأوامر و النواهي، أي كلّ «افعل» و «لا تفعل» ففي مثال «لا تشرب الخمر»- للخمر وجود حقيقي في الخارج، و أمّا حرمة الشرب فهي أمر اعتباري موجود في عالم الذهن، و هكذا في مثل «اشرب الدواء» و أمثال ذلك.
و بالجملة إنّ الامور الاعتباريّة امور فرضيّة يعتبرها الإنسان و يفرضها لرفع حاجات حياته، ثمّ يرتّب عليها آثاراً مختلفة في حياته الاجتماعيّة.
و يظهر من ذلك كلّه امور:
الأوّل: أنّ الامور التكوينيّة امور ثابتة في الخارج لا تتغيّر بالاعتبارات الذهنيّة، و لو كان فيها تغيير و تكامل فهو تكامل جوهري داخلي، و أمّا الامور الاعتباريّة فهي امور متغيّرة تتغيّر بتغيّر الاعتبار و الجعل، كما أنّ الامور التكوينيّة امور مطلقة، فالشمس مثلًا مطلق لا إنّها تكون شمساً بالنسبة إلى زيد و لا تكون شمساً بالنسبة إلى عمرو، و أمّا الامور الاعتباريّة فهي امور نسبية، فالدار المعيّنة مثلًا ملك لزيد و لا تكون ملكاً لعمرو، و الفعل الفلاني مثلًا واجب على زيد و حرام على عمرو.
الثاني: أنّ الامور التكوينيّة تحكم عليها الاستدلالات المنطقية و الفلسفية كقاعدة العلّة و المعلول، و استحالة اجتماع النقيضين و ارتفاعهما، و استحالة الجمع بين الضدّين و تقديم المعلول على العلّة، بخلاف الامور الاعتباريّة فإنّها خارجة عن نطاق القواعد المنطقية و الفلسفية، و لذلك يمكن اعتبار نقيضين أو ضدّين أي فرضهما، فيعتبر مثلًا أنّ هذا ملك لزيد ثمّ يعتبر ثانياً إنّه ليس ملكاً لزيد.
نعم إنّه لغو يستحيل صدوره من الحكيم من هذه الجهة، أي من باب عدم ترتّب الأثر المطلوب من هذا الجعل و الاعتبار لا من باب الاستحالة العقليّة الخارجيّة، فإنّ المقصود من الجعل في الامور الاعتباريّة إنّما هو ترتّب أثر عقلائي و رفع حاجة من الحياة كما مرّ آنفاً، و هو لا يترتّب على مثل هذا الجعل.
الثالث: أنّه قد تصير الامور الاعتباريّة منشأ لآثار تكوينيّة في الخارج بمعنى إنّها تصير سبباً لانقداح إرادة فعل أو كراهته في نفس الإنسان فيفعل عملًا أو يتركه، و هو يوجب إيجاد أمر تكويني في الخارج، فمثلًا الأمر بالصيام في شهر رمضان يوجب انقداح إرادة الصّيام في نفس المكلّف فيصوم، و الصّيام يصير منشأً و سبباً لسلامة البدن، و هكذا اعتبار قوانين المرور مثلًا فانّه يوجب انقداح إرادة مراعاتها، و المراعاة الخارجيّة توجب حفظ النفوس و الأموال، كلّ ذلك للعلم بأنّ العقلاء يرتّبون آثاراً خاصّة على هذا الوجود الاعتباري، أو إنّ الشارع المقدّس يرتّب عليه آثاراً مختلفة، ففي الواقع باعث الحركة الخارجيّة هو الآثار التكوينيّة التي نعلم بترتّبها على تلك الامور الاعتباريّة من ناحية الشارع أو العقلاء في الحال أو المستقبل، و حينئذٍ يكون الباعث لحدوث أمر تكويني في الخارج في الحقيقة هو أمر تكويني سابق عليه لا الاعتبار الذهني.
إذا عرفت هذا كلّه فنقول: إنّ من أقسام الامور الاعتباريّة التشريعيات التي منها مسائل الفقه (أو الحقوق) و هكذا اصول الفقه فلا سبيل إليها للقواعد المنطقية و الفلسفية الجارية في خصوص الحقائق الخارجيّة كقاعدة الواحد أو أحكام العرض و المعروض (بأن يقال: الصّلاة مثلًا معروض و الوجوب عرض) أو استحالة اجتماع الضدّين (بأن يقال مثلًا: اجتماع الأمر و النهي محال لاستحالة اجتماع الضدّين).
نعم اجتماع الضدّين و أشباهه باطل في الامور الاعتباريّة لكن لا من جهة الاستحالة بل من باب كون اعتبارها لغواً، و اللغويّة شيء و الاستحالة شيء آخر.
و الإنصاف أنّ الخلط بين المسائل الاعتباريّة و الامور الحقيقيّة و إدخال الثانيّة في الاولى أورد ضربة شديدة على مسائل علم الاصول بل مسائل الفقه أيضاً، كما أنّ إدخال الاولى في الثانيّة و تصوّر إنّه لا حقيقة مطلقة في الخارج بل جميع الامور حقائق نسبيّة (كما توهّمه النسبيّون من الفلاسفة المادّيين) أوجب إرباكاً عظيماً في مسائل الفلسفة.
و بالجملة فإنّ قاعدة الواحد لا ربط لها بالعلوم الاعتباريّة التي منها علم الاصول بل لا دخل لها حتّى في العلوم الحقيقيّة كعلم الطبّ لأنّ وحدة مسائل كلّ علم أمر اعتباري و إن كانت موضوعات مسائله اموراً واقعية خارجيّة.