أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٤ - الأمر الثالث كيفية الثواب و العقاب الاخرويين
يمكن لأمثالنا، نعم لا شبهة أنّ لإتيان الأعمال الصالحة لاجل اللَّه تعالى تأثيراً في صفاء النفس و تحكيماً لملكة الانقياد و الطاعة و لها بحسب مراتب النيّات و خلوصها تأثيرات في العوالم الغيبية».
و قال في شرح المسلك الثاني بعد أن اعترف بأنّه ظاهر قوله تعالى: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها» إلى غير ذلك، و أنّه هو المرضي عند المحقّق النهاوندي (رحمه الله) على ما حكي عنه- ما نصّه: «لا شكّ أنّ التخلّف بعد الجعل قبيح لاستلزامه الكذب لو اخبر عنه مع علمه بالتخلّف كما في المقام أو لاستلزامه التخلّف عن الوعد و العهد لو أنشأه، و امتناعهما عليه تعالى واضح جدّاً»، (و مقصوده أنّ ترتّب الثواب ليس من باب الاستحقاق بحيث يلزم من عدمه الظلم بل أنّه من باب العمل بالوعد و العهد و من باب أنّ عدمه يلزم الكذب و التخلّف عن الوعد).
و أمّا المسلك الثالث فقال «أنّه خلاف التحقيق في جانب الثواب لأنّ من عرف مقام ربّه من الغنى و العظمة و مقام نفسه من الفقر و الفاقة يعرف نقصان ذاته و إنّ كلّ ما ملكه من أعضاء و جوارح و نعم كلّها منه تعالى لا يستحقّ شيئاً إذا صرفه في طريق عبوديته» [١].
أقول: أمّا القول الأوّل: فمضافاً إلى ما أورده عليه (من أنّه أمر مستور لنا) يرد عليه أنّه مخالف لظواهر الآيات و الرّوايات حيث إنّ ظاهرها أنّ الجنّة و النار خلقا من قبل كقوله تعالى:
«وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» و قوله تعالى: «فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» فإنّ كلمة «اعدت» ظاهرة أو صريحة في أنّهما مخلوقان في الحال.
نعم هناك أمر يسمّى بتجسّم الأعمال و هو يستفاد من غير واحد من الآيات و الرّوايات نظير ما ورد في باب الأعمال من أنّها تظهر للإنسان على أحسن صورة فيسأل عنها ما أنت؟
فتجيب بأنّي صلاتك أو صومك، و لكن هذا شيء آخر غير ما ذكر لأنّ تبدّل العمل بصورة تناسبه شيء، و خلق النفس صوراً غيبية بهيئة من الحور و القصور شيء آخر، فتدبّر جيّداً.
و أمّا القول الثاني: فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّه لا غبار عليه و أنّه موافق لظواهر الآيات
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ١٩٤- ١٩٥، طبع مهر.