أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠٢ - التنبيه الرابع في قيام المبدأ بالذات
بالمضروب و المؤلَم (بالفتح)، كما لا يخفى، و في قسم آخر منها نحو اللابن و التامر ممّا يكون المشتقّ فيه من الجوامد لا معنى لقيام المبدأ (و هو اللبن و التمر في المثال) بذات اللابن و التامر، و في قسم ثالث منها و هو الصفات التي تنسب إلى ذات الباري تعالى أيضاً كذلك فليس المبدأ فيها قائماً بالذات لأنّها عينه.
أقول: و حيث إنّ بعضهم لم يظفر على جواب مناسب لهذه الأمثلة أنكر من الأساس اعتبار قيام المبدأ بالذات في جميع المشتقّات، و لكن يمكن الجواب عن الجميع:
أمّا القسم الأوّل: فيمكن أن يقال: إنّ الإشكال فيه حصر القيام في نوع واحد، و هو القيام الحلولي، مع أنّ للقيام أنواعاً متفاوتة:
منها: القيام الحلولي كما هو كذلك في الصفات المشبّهة و أسماء الفاعل المشتقّة من الفعل اللازم.
و منها: القيام الصدوري، كما في مثل الضارب و القاتل و غيرهما.
و منها: القيام بمعنى الوقوع فيه، كما في اسمي الزمان و المكان.
و منها: القيام بمعنى الوقوع به في مثل اسم الآلة.
و منها: القيام الانتزاعي كما في مثل الصفات الانتزاعي، نحو صفة الممكن الذي تنتزع من تساوي الوجود و العدم بالنسبة إلى الذوات الممكنة، فإنّ مبدأ الإمكان فيه قائم بذات الممكن انتزاعاً، فالقيام في جميع المشتقّات حاصل و لكن كلّ واحد بنوع من القيام.
هذا كلّه بالنسبة إلى القسم الأوّل من الأمثلة.
أمّا القسم الثاني: مثل اللابن و التامر فالجواب عنه إنّه لا يشتقّ من الجامد وصف إلّا بعد اشراب معنى وصفي فيه، فاشرب في اللبن و التمر مثلًا معنى البيع و يكون اللابن و التامر مشتقّين في الواقع من مادّة بيع اللبن و مادّة بيع التمر، و هما قائمان بفاعلهما قياماً صدوريّاً.
أمّا القسم الثالث: فالطريق الصحيح في حلّه ما اخترناه سابقاً من كونها مجازات فوق الحقيقة.
ففي مثل العالم نقول: إنّ اللَّه منزّه من أن يكون العلم قائماً به، بل ذاته تعالى عين العلم، فيكون فوق الحقيقة، و لا غرابة و لا استهجان فيه، و على هذا فلا يرد علينا إشكال تعطيل الصفات، أو كونه تعالى جاهلًا بالمقايسة إلى الممكنات تعالى اللَّه عن ذلك.