أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٠ - المختار في حلّ مشكلة الإرادة على مذهب الاختيار
توضيح ذلك: أنّ الإنسان يكون بفطرته و ذاته طالباً للمنفعة و دافعاً للضرر، أي من غرائزه الفطريّة الجبلية غريزة طلب المنفعة و دفع الضرر، و بمقتضى هذه الغريزة إذا لاحظ شيئاً و التفت إلى منفعة أو ضرر، أي إذا تصوّر أحدهما و صدّقه يحصل في نفسه شوق إلى تحصيل المنفعة أو دفع الضرر، و مع ذلك يرى نفسه قادراً على الجلب و عدمه، أو على الدفع و عدمه، و أنّ له أن يتحرّك و يجلب المنفعة أو يدفع الضرر، و له أن يجلس و يتحمّل الضرر أو يحرم نفسه عن المنفعة و يشتري المذمّة و الملامة، فإذا اختار الفعل و انتخبه و أراده و رجّحه على الترك تتحرّك عضلاته نحو العمل فيفعله و يحقّقه في الخارج.
و بهذا يظهر أنّ التصوّر و التصديق و الشوق كثيراً ما تكون جبريّة غير اختياريّة، فإنّ التصوّر كثيراً ما يحصل للإنسان جبراً بمعونة حواسّه و ادراكاته، و يترتّب عليه التصديق فيكون التصديق أيضاً جبريّاً غالباً و يترتّب على التصديق الشوق أو الكراهة بمقتضى غريزة جبريّة و هي غريزة جلب المنفعة و دفع الضرر.
ثمّ تصل النوبة بعد هذه إلى أعمال النفس و اختيارها و ارادتها بمقتضى سلطانه الذاتي و قوّة الاختيار و قدرة الانتخاب التي جعلها اللَّه تعالى لذاتها، فلها أن تختار و تنتخب، و لها أن لا تختار و لا تنتخب.
ثمّ إذا اختارت و انتخبت تصل النوبة إلى حركة العضلات نحو العمل، و الإرادة عين هذا الاختيار الفعلي و الانتخاب الخارجي، هذا أوّلًا.
و ثانياً: ظهر أنّ الإرادة ليست في طول الشوق المؤكّد بلا تخلّل شيء، بل صفة الاختيار متخلّلة بينهما، و الشاهد على ذلك أنّ الإنسان كثيراً ما يتصوّر شيئاً ذا منفعة و فائدة و يصدّق فائدته و يشتاق إليه، و لكن مع ذلك لا يتصدّى له في الخارج و لا تترشّح من النفس إرادة العمل لما يكون لها من صفة الاختيار و قوّته، و حينئذٍ نشاهد تخلّل صفة الاختيار بين الشوق و الإرادة.
و بهذا تنحلّ مشكلة عدم اختياريّة الإرادة، فإنّه إذا كانت الإرادة عبارة عن الاختيار الخارجي الفعلي و التصدّي في الخارج بمقتضى صفة الاختيار الذاتيّة للإنسان كانت إراديّة، و إراديتها إنّما تكون بذاتها لا بقوّة اختياريّة اخرى حتّى يتسلسل.
و إن شئت قلت: إنّ إراديّة كلّ فعل إنّما هي بالإرادة، و إراديّة الإرادة إنّما هي بصفة