أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٥ - الثالث تقسيم الواجب إلى النفسي و الغيري
لما دعت المولى إلى إيجاب ذي الفوائد فينطبق حينئذٍ على أكثر الواجبات النفسيّة تعريف الغيري.
ثمّ ذكر في مقام دفع هذا الإيراد و تصحيح التعريف ما حاصله: إنّ الخواص و الفوائد المترتّبة على أكثر الواجبات النفسيّة و إن كانت لازمة قطعاً و لكنّها حيث كانت خارجة عن تحت قدرة المكلّف لم يصحّ تعلّق التكليف بها لتكون واجبة و ينطبق على أكثر الواجبات النفسيّة تعريف الغيري.
و أجاب عنه: بأنّ الفوائد و إن كانت بنفسها خارجة عن تحت القدرة و لكنّها مقدورة للمكلّف بالواسطة، و هي تكفي في صحّة تعلّق التكليف بها فإنّ القدرة على السبب قدرة على المسبّب، و لذا قد يؤمر بالتطهير و التمليك و الطلاق إلى غير ذلك من المسبّبات التي هي خارجة بنفسها عن تحت القدرة.
ثمّ صحّحه بطريق آخر و حاصله: أنّ الواجب النفسي معنون بعنوان حسن في نفسه و لم يؤمر به إلّا لحسنه الكذائي و إن كان مقدّمة لواجب آخر، أي لما يترتّب عليه من الخواصّ و الفوائد اللازمة الواجبة، و الواجب الغيري ما أمر به لأجل واجب آخر و إن كان معنوناً بعنوان حسن في نفسه كما في الطهارات الثلاثة (انتهى).
و استشكل عليه المحقّق النائيني (رحمه الله): بأنّ «حسن الأفعال المقتضى لايجابها إن كان ناشئاً من كونها مقدّمة لما يترتّب عليها من المصالح فإشكال لزوم كون جلّ الواجبات واجبات غيريّة قد بقي على حاله، و إن كان الحسن ثابتاً لها في حدّ ذواتها مع قطع النظر عن ما يترتّب عليها من المصالح فلازمه أن لا يكون الوجوب المتعلّق بها متمحّضاً في النفسيّة و لا في الغيريّة لثبوت ملاكهما حينئذٍ كما في أفعال الحجّ فإنّ المتقدّم منها واجب لنفسه و مقدّمة للمتأخّر فلا يكون وقع للتقسيم حينئذٍ أصلًا» [١].
ثمّ أجاب المحقّق المذكور عن أصل الإشكال بأنّ «الأفعال بالإضافة إلى ما يترتّب عليها من المصالح من قبيل المعدّات التي يتوسّط بينها و بين المعلول امور غير اختياريّة، فلا يمكن تعلّق الإرادة التكوينيّة بها، فكذلك التشريعيّة لما بيّنا من الملازمة بينهما إمكاناً و امتناعاً، فهي
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ١٦٧.