أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٧ - أمّا المقام الثاني و هو البحث عن الضدّ الخاصّ كالصّلاة بالنسبة إلى إزالة النجاسة عن المسجد أو أداء الدَّين
الذهن إذا تصوّر شيئاً و لم يجده شيئاً إذا رجع إلى الخارج فهو مسلوب عنه أحكام الوجود و الثبوت، إذ لا شيئية له، فلا تقدّم له و لا تأخّر و لا مقارنة، بل كلّ الحيثيات مسلوبة عنه سلباً تحصيليّاً لا بمعنى سلب شيء عن شيء بل السلب عنه من قبيل الإخبار عن المعدوم المطلق بأنّه لا يخبر عنه، فما يتكرّر بين كلمات المشاهير من أهل الفنّ من عدّ عدم المانع من أجزاء العلّة مرجعه إلى أنّ وجوده مانع عن تحقّق المعلول لا أنّ عدمه دخيل، إذ العدم مطلقه و مضافه أقصر شأناً من أن يحوم حوله التوقّف لأنّه البطلان و اللاشيئية» [١].
أقول: و هذا الجواب أيضاً متين في محلّه.
إلى هنا تمّ الكلام عن الوجه الأوّل من الوجهين اللّذين استدلّ بهما للقول الأوّل في المقام.
الوجه الثاني: مسلك التلازم و اتّحاد المتلازمين في الحكم، (و هو غير الوجه الأوّل الذي كان مبنياً على مقدّميّة ترك أحد الضدّين لوجود الآخر) و هو أيضاً يتوقّف على ثلاث مقدّمات:
١- إنّ وجود أحد الضدّين ملازم لعدم الآخر و إلّا يستلزم ارتفاع النقيضين، لأنّ عدم الضدّ الآخر يكون نقيضاً لوجوده، فإذا لم يكن وجود الضدّ الأوّل ملازماً لا لوجوده و لا لعدمه يستلزم ارتفاع النقيضين، و هو واضح (بل هذا هو معنى التضادّ).
٢- إنّ المتلازمين متساويان في الحكم فتتساوى مثلًا الإزالة و ترك الصّلاة في الوجوب.
٣- أنّ وجوب ترك فعل يقتضي النهي عن ضدّه و هو وجوده بمقتضى ما سبق في الضدّ العامّ. فيستنتج من هذه الثلاثة أنّ الأمر بالإزالة يقتضي حرمة فعل الصّلاة من دون حاجة إلى إثبات مقدّميّة ترك الصّلاة لفعل الإزالة كما في الوجه الأوّل.
و أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بالنقاش في المقدّمة الثانيّة، و حاصل بيانه أنّ غاية عدم اختلاف المتلازمين عدم اختلافهما في الحكم بحيث يكون كلّ واحد منهما محكوماً بحكم فعلي مغاير لحكم الآخر لا أن يكونا متّحدين في الحكم بل يجوز أن يكون الملازم محكوماً إنشاءً بحكم مخالف لحكم ملازمه لكن قد سقط فعليّته بفعلية الأهمّ الملازم له، كما إذا وجب انقاذ الغريق و حرم إنشاءً ترك الصّلاة الملازم له لكن قد سقطت حرمته الفعليّة لأهمّية الانقاذ.
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ١، ص ٢٣٢، طبع مهر.