أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٨ - أمّا المقام الثاني و هو البحث عن الضدّ الخاصّ كالصّلاة بالنسبة إلى إزالة النجاسة عن المسجد أو أداء الدَّين
لا يقال: إنّه إذا لم يجب أن يكون الملازم محكوماً بحكم ملازمه لزم خلوّه عن الحكم.
لأنّا نقول: أنّ عدم جواز خلوّ الواقعة عن الحكم إنّما هو بالنسبة إلى الحكم الواقعي و لو كان إنشائيّاً لا الحكم الفعلي، و الملازم و إن لم يكن محكوماً فعلًا بحكم ملازمه، و لكنّه محكوم واقعاً بحكم إنشائي و لو كان مخالفاً لحكم ملازمه.
أقول: و نضيف إلى ذلك: أنّه لا إشكال في جواز خلوّ الواقعة عن الحكم إنشاءً و فعلًا إذا لم تكن الواقعة ذات شأن كاللعب بالسبحة مثلًا، أو يكون جعل الحكم فيها لغواً أو شبه ذلك، بل لا بدّ للشارع جعل الحكم بالنسبة إلى الوقائع التي يبتلي به المكلّفون و تكون ذات شأن في الخارج، و إلّا يستلزم نقصان الشريعة المقدّسة، و ما نحن فيه من القسم الأوّل، لأنّ جعل الوجوب لترك الصّلاة الملازم لفعل الإزالة لغو لا حاجة إليه مع وجوب الإزالة لأنّه يحصل بفعل الإزالة قهراً سواء أراده المكلّف أو لم يرده و سواء كان واجباً أو مباحاً.
إن قلت: ظاهر بعض الرّوايات و الآيات أنّه ما من واقعة إلّا و لها حكم في الشرع.
قلنا: هذه الرّوايات أو الآيات ناظرة إلى القسم الثاني من الوقائع، أي الوقائع التي تكون ذات شأن في الواقع و يبتلى به المكلّف ممّا له فائدة.
ثمّ إنّه يمكن المناقشة في هذا الوجه بالنسبة إلى المقدّمة الثالثة أيضاً حيث إنّها مبنيّة على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه العامّ، لأنّ ترك الصّلاة ضدّ عام لفعل الصّلاة، و قد مرّ في المقام الأوّل عدم نهوض دليل على ذلك.
فظهر أنّ السالم من الإشكال إنّما هو المقدّمة الاولى، و هي وجود التلازم بين وجود أحد الضدّين و عدم الآخر، و من العجب إشكال تهذيب الاصول في هذه المقدّمة أيضاً حيث قال:
«إنّ نقيض كلّ شيء رفعه لا إثبات هذا الرفع فنقيض قولنا «يصدق عليه السواد» هو «أنّه لا يصدق عليه السواد» لا أنّه يصدق عليه عدم السواد، و كم فرق بين السالبة المحصّلة و بين الموجبة المعدولة أو الموجبة السالبة المحمول، كما إذا قلت: «يصدق عليه أنّه ليس بسواد» [١].
و فيه: أنّ من المعلوم أنّ الضدّين لا يجتمعان في الوجود بلا إشكال، و إذا لم يجتمع وجود أحد الضدّين مع وجود الضدّ الآخر، يجتمع لا محالة مع عدمه لأنّ النقيضان لا يرتفعان، و ليس في البين قضيّة حتّى يتكلّم عن أنّ نقيضها سالبة محصّلة أو موجبة معدولة.
[١] تهذيب الاصول: ج ١، طبع مهر، ص ٢٣٤- ٢٣٥.