أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٦ - الأمر الثاني في دلالة المادّة على الوجوب
خروج العمل عن اللااقتضائيّة، بحيث كان حكم العقل بالإيجاد من جهة الرغبة لما يترتّب عليه من الأجر و الثواب فحسب، و اخرى يكون اقتضاؤه لتحريك العبد بالإيجاد بنحو أتمّ بحيث يوجب سدّ باب عدمه حتّى من طرف العقوبة على المخالفة علاوة عمّا يترتّب على إيجاده من المثوبة الموعودة، و في مثل ذلك نقول: بأنّ قضيّة إطلاق الأمر يقتضي كونه على النحو الثاني لعدم تقيّده بشيء (انتهى ملخّصاً) [١].
أقول: الأولى في المقام أن يقال: إنّ منشأ الانصراف أنّ طبيعة الطلب ليس فيها عدم الطلب و إذن في الترك، فإنّ الطلب بعث إلى الشيء، و البعث يقتضي الانبعاث فلا سبيل لعدم الانبعاث في ماهيته، فالإلزام و الوجوب لازم لطبيعة الطلب و ماهيته، فما لم يصرّح المولى بالترخيص و لم يأذن بالترك ينصرف الطلب إلى الوجوب و يتبادر منه اللزوم، و الشاهد على ذلك أنّه إذا لم يمتثل العبد أمر المولى اعتذاراً بأنّي كنت أحتمل الندب لم يقبل عذره و يقال له «إذا قيل لك افعل فأفعل».
نعم، إذا قامت قرينة على الاستحباب و الترخيص لم يكن مجازاً لأنّ الموضوع له عامّ يشمل الوجوب و الاستحباب و إن كان إطلاقه منصرفاً إلى الوجوب.
نعم أُورد على المحقّق العراقي (رحمه الله) في تهذيب الاصول بأنّ «ما ذكره صاحب المعالم إنّما هو في صيغة الأمر دون مادّته كما أنّ مورد التمسّك بالاطلاق هو صيغة الأمر دون مادّته» [٢].
لكن الإنصاف عدم ورود اشكاله بالنسبة إلى التمسّك بالاطلاق (و إن كان وارداً بالنسبة إلى نقل كلام صاحب المعالم كما أشرنا إليه ضمن نقل كلام هذا العلم) و ذلك لأنّه لا فرق في هذه الجهة بين صيغة الأمر و مادّته، فكما تجري مقدّمات الحكمة و يمكن التمسّك بالاطلاق في صيغة الأمر، تجري أيضاً في مادّته من دون فرق بين ما يكون المولى فيه في مقام الإنشاء كما في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ» و قوله ٧: هذا ما أمر به عبد الله ... (في كتاب علي ٧ لمالك) و ما يكون المولى فيه في مقام الإخبار كقوله ٧: «أمر رسول اللَّه بالزكاة في تسعة أشياء» فإنّه يمكن أن يقال فيها أيضاً (كما يمكن أن يقال في صيغة الأمر) أنّ المولى كان في مقام البيان فأمر بشيء من دون تقييد و بيان زائد يستفاد منه الاستحباب، فيستفاد منه الوجوب
[١] نهاية الأفكار: ج ١، ص ١٦١- ١٦٣، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] تهذيب الاصول: ج ١، ص ١٠١، طبع مهر.