أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٨ - الأمر الثالث في اتّحاد الطلب و الإرادة
اتّحادهما، و هم طائفتان: طائفة ذهبوا إلى اتّحادهما مفهوماً و مصداقاً، و اخرى إلى اتّحادهما في خصوص المصداق.
و لا بدّ أوّلًا من تبيين أساس النزاع و الجذور التاريخية للمسألة لكي يتّضح موضع النزاع و محلّ الخلاف، و لكن المحقّق الخراساني (رحمه الله) حيث ورد في المسألة من أواسطها و لم يتعرّض لمنشإ الاختلاف وقع في بعض الإشكالات كما سيأتي.
فنقول: إن أصل هذه المسألة متفرّع من مسألة اخرى مطروحة في علم الكلام، و هي البحث عن وجود الكلام النفسي للباري تعالى المتفرع بدوره من البحث في كلام اللَّه و أنّه هل هو قديم كسائر صفاته الذاتيّة أو حادث كسائر صفاته الفعليّة؟
توضيح ذلك: لا شكّ في أنّ اللَّه تبارك و تعالى متكلّم كما تكلّم مع أنبيائه و ملائكته كما نطق به الأنبياء و الكتاب الكريم في قوله تعالى مثلًا: «وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» فمن صفاته جلّ و عز صفة «المتكلّم»، فوقع البحث حينئذ في أنّ هذه الصفة قديمة أو حادثة (أي أنّها من صفاته الذاتيّة أو الفعليّة كالخلق و الرزق) و هذه المسألة من المسائل التي ازدحمت فيها الآراء و كثر فيها الخلاف و اريقت بسببها الدماء في القرون الأوّلى للإسلام، بل إنّه هو الوجه في تسمية علم الكلام باسم الكلام، فإنّ أكثر النزاع بين الأشاعرة و المعتزلة كان في الكلام النفسي- الأمر الذي صار من أسباب التفرقة الشديدة بين فرق المسلمين و آلة بأيدي طالبي الرئاسة و الحكومة من بني العبّاس و مثاراً لايجاد التنازع و الاختلاف من جانبهم تحكيماً لمباني حكومتهم و إدامة لرئاستهم و تحقيقاً لميولهم النفسانيّة الخبيثة، فذهب الأشاعرة إلى أنّ كلام اللَّه قديم، و المعتزلة و جماعة الإماميّة إلى حدوثه لأنّ صفات الباري تعالى عندهم تقسّم إلى قسمين: صفات الذات و صفات الفعل، و القسم الأوّل قديم بقدم الذات و القسم الثاني حادث بحدوث أفعاله تعالى، فإنّ صفات الفعل عبارة عمّا ينتزعه الذهن بعد وقوع الفعل من ناحيته كصفة الخالق و الرازق من دون أن تقوم بذاته تعالى، و حكي عن الحنابلة أنّهم قالوا بأنّ كلام اللَّه صفة حادثة قائمة بالذات القديم، حتّى نقل في المحاضرات عن كتاب المواقف عن بعضهم القول بأنّ جلد كلام اللَّه حادث قائم بالذات القديم فضلًا عن النقوش و الخطوط، و لكنّه كما ترى غير لائق بالبحث.
و كيف كان: لا إشكال في صحّة قول المعتزلة و جماعة الإماميّة، لأنّ من الواضح أنّ كلام