أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧٩ - الفصل الخامس عشر الواجب التخييري
ففيه: أنّ الوجدان حاكم على أنّ للوجوب نحواً واحداً لا أنحاء مختلفة لأنّه بمعنى البعث تشريعاً كالبعث التكويني، و لا إشكال في أنّ البعث التكويني لا يتصوّر له أنحاء مختلفة، إنّما الفرق في المتعلّق، فإنّ المتعلّق في الواجب التعييني هو أحدهما المعيّن و في الواجب التخييري أحدهما اللامعيّن.
و أمّا القول السادس: و هو أن يكون الواجب ما يختاره المكلّف و ما يكون معيّناً عند اللَّه تعالى- ففيه أنّه أسوأ حالًا من سائر الأقوال، و لذلك قد تبرّأ منه كلّ من الأشاعرة و المعتزلة و نسبه إلى صاحبه، و ذلك لأنّ مقام الامتثال و اختيار المكلّف و انبعاثه متأخّر رتبة عن مقام البعث و الإيجاب، فكيف يتقدّم عليه و يكون جزءاً لموضوعه؟
هذا- مضافاً إلى أنّ لازمه كون إرادة اللَّه تابعة لإرادة المكلّف و اختياره- تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً.
و أمّا القول السابع: و هو تفصيل المحقّق الخراساني (رحمه الله) فقد ظهر الجواب عنه ممّا مرّ في الجواب عن القول الخامس، لأنّ لازمه أيضاً أن يكون للوجوب أنحاء مختلفة، حيث إنّ الواجب عنده- فيما إذا كان لكلّ واحد من الطرفين غرض على حدة لا يقوم أحدهما مقام الآخر- هو كلّ واحد من الطرفين بنحو من الوجوب، و لازمه أن يكون للواجب التخييري نحو من الوجوب غير الوجوب التعييني.
هذا- مضافاً إلى وقوع الخلط في كلامه (رحمه الله) بين التخيير العقلي و التخيير الشرعي، فإنّ محلّ الكلام في المقام إنّما هو تبيين حقيقة التخيير الشرعي، أي ما إذا كان متعلّق الخطاب أحد الشيئين أو أحد الأشياء كما صرّح به في صدر كلامه، فجعل المقسم في تقسيمه و تفصيله ما «إذا تعلّق الأمر بأحد الشيئين أو الأشياء» مع أن متعلّق الأمر في التخيير العقلي شيء واحد، و هو القدر الجامع الحقيقي بين الأطراف.
هذا كلّه بالنسبة إلى مقام الثبوت.
و أمّا مقام الإثبات: فلا إشكال أيضاً في أنّ المتعلّق إنّما هو عنوان «أحدهما» أو «أحدها» في موارد العطف بكلمة «أو» لأنّ المتبادر عرفاً من هذه الكلمة أنّ الخصوصيّات الفرديّة لا دخل لها في الحكم و أنّ الحكم تعلّق بأحد الشيئين أو أحد الأشياء، نظير ما ورد في قوله تعالى في باب الكفّارات: «فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ