أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٣ - هل الأصل في الأوامر هو التعبّديّة أو لا؟
ثانياً: أنّ وظيفة العبد إنّما هو تحصيل غرض المولى من المأمور به لا قصد التقرّب مثلًا حيث إنّ العقل يحكم بوجوب رفع عطش المولى مثلًا على أيّ حال: فلو اهرق الماء لا بدّ من إتيان ماء آخر مرّة اخرى و هكذا حتّى يرفع عطش المولى مع أنّه قد امتثل الأمر و أتى بالماء، فإنّ هذا هو مقتضى حقّ الطاعة و العبوديّة.
و بعبارة اخرى: إنّ غرض المولى من أمره حصوله على ما هو موجود في المأمور به من المصلحة لا تحريك العبد إلى المأمور به بقصد امتثال أمره فحسب، إلّا إذا ثبت كون الغرض منه هو العبوديّة و التقرّب إليه.
الأمر الثاني قوله تعالى: «وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» [١] ببيان أنّها تدلّ على أنّ جميع الأوامر صدرت من جانب الباري تعالى للعبادة مخلصاً و الاخلاص عبارة عن قصد التقرّب في العمل، و لازمه أن تكون جميع الأوامر الشرعيّة تعبّديّة إلّا ما خرج بالدليل.
و الجواب عنه واضح: لأنّ الآية إنّما تكون في مقام نفي الشرك و إثبات التوحيد كما يشهد عليه بعض الآيات السابقة عليها و هو قوله تعالى: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ» [٢]، و كذلك بعض الآيات اللّاحقة و هي قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها» [٣].
بل و هكذا ما ورد في نفس الآية من التعبير بالحنفاء حيث إنّ الحنيف هو المائل من الباطل إلى الحقّ، فيطلق على الإنسان الموحّد الذي لا يعبد إلّا اللَّه، و لذلك وصفهم بعد ذلك بإقامة الصّلاة و إيتاء الزّكاة اللّذين هما من لوازم التوحيد باللَّه و من أوصاف العباد الموحّدين، على أيّ حال: إنّ الآية في مقابل المشركين و أهل الكتاب تدلّ على انحصار العبادة باللَّه تعالى و أنّ الناس امروا لأن لا يعبدوا إلّا اللَّه تعالى لا أنّ جميع الأوامر الشرعيّة الصادرة من جانب اللَّه تعالى تكون تعبّديّة، و أين هذا من ذاك.
و يشهد عليه أيضاً ذهاب المفسّرين ظاهراً على هذا المعنى، فهذا هو المحقّق الطبرسي (رحمه الله) في
[١] سورة البيّنة: الآية ٥.
[٢] سورة البيّنة: الآية ١.
[٣] سورة البيّنة: الآية ٦.