أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٢٦ - و هناك عدّة ملاحظات في كلامه
و يكون المراد بالمغايرة هو اثنينية الطلب الإنشائي و الإرادة الحقيقيّة فيرجع النزاع لفظيّاً (انتهى ملخّص كلامه).
و قد ظهر ممّا ذكرنا ما يرد عليه:
أوّلًا: من أنّ النزاع ليس لفظيّاً لغويّاً بل هو نزاع متأصل موجود في علم الكلام من قديم الأيّام، كما مرّ بيانه.
و ثانياً: ما ادّعاه من انصراف الطلب إلى الطلب الإنشائي عند إطلاقه دعوى بلا شاهد و دليل، كما أنّ دعوى كثرة استعماله في الإنشائي ليست بثابتة، و الشاهد على ذلك موارد استعماله في الكتاب الكريم حيث إنّه استعمل فيه في أربعة موارد و اريد منه في جميعها الطلب الحقيقي، كما أنّ التعبيرات الرائجة بيننا كطالب العلم و طلبة و طالب المال و طالب الضالّة يراد من جميعها الطلب الحقيقي، نعم الطلب من الغير ظاهر في الإنشائي كما لا يخفى.
ثمّ إنّ هنا كلاماً للمحقّق العراقي (رحمه الله) في توجيه مذهب القائلين بالتعدّد، و حاصله: أنّ هنا معنى آخر للطلب غير العلم و الإرادة و الحبّ و البغض، و هو البناء و القصد المعبّر عنه بعقد القلب في باب الاعتقادات حيث إنّه من جملة أفعال النفس، و لذا قد يؤمر به كالبناء في باب الاستصحاب و في الشكوك المعتبرة في الصّلاة، و قد ينهى عنه كما في التشريع المحرّم، و يكون كالإرادة في كونه ذا إضافة و إن خالفها في أنّها من مقولة الكيف و هذا من مقولة الفعل للنفس، فيمكن توجيه كلمات القائلين بالتعدّد بحمل الطلب في كلماتهم على مثل هذا البناء و القصد، و الإرادة على تلك الكيفية النفسانيّة [١].
و لكن يرد عليه أيضاً أنّه إن كان المراد من البناء النفساني هو الاعتقاد الجازم بشيء فهذا ليس من الطلب في شيء، و إن كان المراد ما هو المحرّك للعضلات نحو العمل فليس إلّا الإرادة، و إن كان المراد البناء الذي يوجد مثله في باب التشريع و شبهه كما يظهر من كلماته فهذا و إن كان من أفعال النفس و كان مبايناً للإرادة و لكنّه ليس من الطلب في شيء أيضاً، و تسميته طلباً لا يغيّر الواقع الذي هو عليه.
هذا تمام الكلام في أدلّة القائلين بالتعدّد.
[١] نهاية الأفكار: ج ١، ص ١٦٦- ١٦٧، طبع جماعة المدرّسين.