أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٠ - المقام الأوّل في مادّة الأمر
و لكن المهمّ هنا إنّما هو كشف مبدأ هذه المعاني و مرجعها، و البحث في أنّها هل ترجع إلى أصل واحد، أو أصلين، أو أكثر؟ و بعبارة اخرى: هل تكون مادّة الأمر من قبيل المشترك اللّفظي أو من المشترك المعنوي؟
ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّ عدّ بعض هذه المعاني من معاني مادّة الأمر يكون من قبيل اشتباه المصداق بالمفهوم و أنّه لا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب في الجملة و الشيء، ثمّ عدل عنه في ذيل كلامه، و قال: لا يبعد أن يكون ظاهراً في المعنى الأوّل فحسب أي الطلب، و اختار صاحب الفصول أنّه حقيقة في المعنيين الأوّلين، أي الطلب و الشأن، و ذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى أنّه «لا إشكال في كون الطلب المنشأ بإحدى الصيغ الموضوعة معنى له و إنّ استعماله فيه بلا عناية، و أمّا بقية المعاني فالظاهر أنّ كلّها راجعة إلى معنى واحد و هو الواقعة التي لها أهميّة في الجملة، و هذا المعنى قد ينطبق على الحادثة و قد ينطبق على الغرض و قد يكون غير ذلك» ثمّ عدل عنه في ذيل كلامه و قال: «بل يمكن أن يقال: إنّ الأمر بمعنى الطلب أيضاً من مصاديق هذا المعنى الواحد فإنّه أيضاً من الامور التي لها أهميّة» [١].
أقول: في مثل هذا الموارد لا بدّ من الرجوع إلى أمرين: منابع اللّغة، و التبادر.
أمّا اللّغة: فقد ذكر في منابعها لمادّة الأمر أصلان:
الأصل الأوّل: أنّه ضدّ النهي.
الأصل الثاني: الشيء كما اشير إليه في بعض الكلمات، و أمّا الطلب فهو أعمّ من الأمر لشموله الطلب النفساني أيضاً كقولك «اطلب ضالّتي» أو «اطلب العلم» مع أنّه لا يمكن وضع الأمر موضعه فلا يقال: «آمر ضالّتي» أو «آمر العلم»، اللهمّ إلّا أن يقال أنّ معناه مساوق لمعنى «الطلب من الغير» و لكنّه أيضاً ممنوع لأنّه قد يقال «طلب منه شيئاً» و لا يمكن تبديله بالأمر فيقال «أمره بكذا».
و كيف كان فالمعنى الأوّل لمادّة الأمر هو، الأمر ضدّ النهي كما قال به في لسان العرب، و المعنى الثاني: الشيء، فإنّه قد يقال: «هذا أمر لا يعبأ به» أو «هذا أمر لا يعتنى بشأنه» أي هذا شيء لا يعبأ به أو لا يعتنى بشأنه، فهو مشترك لفظي بين المعنيين من دون أن يكون قدر
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ٨٦.