أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢٠ - أدلّة القول بوجوب المقدّمة
حكم على المقدّمة، و الإرادة لا تكفي فيه، بل يكون جعل الحكم لغواً.
قلنا: وجود حكم العقل في مورد لا يوجب لغويّة حكم الشارع في ذلك المورد، كما نلاحظه في حكم الشارع بوجوب الاحسان أو استحبابه و حرمة الظلم و نحوهما، و لذلك قيل (و نعم ما قيل) «إنّ الواجبات الشرعيّة الطاف في الواجبات العقليّة» و بعبارة اخرى: حكم الشارع في موارد حكم العقل يكون تأكيداً لحكم العقل و لا لغويّة في التأكيد، هذا أوّلًا.
و ثانياً: لا حاجة في وجوب المقدّمة إلى جعل و اعتبار فعلي من طريق الخطابات الأصليّة بل يمكن كشف حكم الشارع من ناحية كشف وجود الشوق و الإرادة، أي من ناحية كشف مبادئ الحكم و وجود ملاكه فإنّه يساوق الحكم نفسه كما سيأتي بناءً على قول المنكرين للترتّب من أنّ تزاحم المهمّ مع الأمر بالأهمّ يوجب عدم فعليّة الأمر بالمهم، و لكنّه مع ذلك لا يوجب بطلان المهمّ العبادي بعد ترك الأهمّ لوجود الملاك، فتدبّر جيّداً.
و أمّا الوجه الأوّل: فالجواب عنه أنّه لا إشكال في أنّ الفعل التسبيبي أيضاً يعدّ فعلًا للمولى كالفعل المباشري و يستند إلى المولى، و إذاً كيف يمكن أن يتسامح الفاعل في مقدّمات فعليه، فإن أراد المولى صعود العبد إلى السطح حقيقتاً فلا محالة يريد نصب السلّم و غيره من المقدّمات أيضاً، و إن أراد أمير العسكر من عسكره فتح بلد حتماً و تعلّقت إرادته به حقيقة فسوف تتعلّق إرادته بمقدّماته من تهيئة التداركات و إيجاد النظام بين أفراد العسكر و تهيئة طرح للعمليّات بلا ريب، نعم قد يكون وضوح الإتيان بالمقدّمات للعبد بحيث لا يحتاج المولى إلى مزيد بيان، و لكن لا بمعنى أنّه لا يريدها بل بمعنى أنّه لا يحتاج إلى بيان هذا الأمر لوضوحه.
هذا كلّه في الدليل الأوّل على وجوب المقدّمة، و قد ظهر أنّه تامّ في محلّه.
الأمر الثاني: ما ذكره بعضهم من أنّ الوجدان أقوى شاهد على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاً له مقدّمات، أراد تلك المقدّمات لو التفت إليها بحيث ربّما يجعلها في قالب الطلب مثله، و يقول مولويّاً: «ادخل السوق و اشتر اللحم» مثلًا بداهة أنّ الطلب المنشأ بخطاب «ادخل» مثل المنشأ بخطاب «اشتر» في كونه بعثاً مولويّاً، فحيث تعلّقت إرادته بشراء اللحم ترشّحت منها له إرادة اخرى بدخول عبده السوق بعد الالتفات إليه و أنّه يكون مقدّمة له كما لا يخفى.
أقول: قد ظهر ممّا ذكرنا في مقام الدفاع عن الوجه الأوّل ضعف ما أُورد على هذا الوجه في المحاضرات من أنّ الوجدان حاكم على الخلاف للزوم اللغويّة فتدبّر، فإنّك قد عرفت: