أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٥ - نقد كلام التهذيب
أحدهما: من طريق حكمة الباري و قبح توجّه الخطاب من جانب الحكيم إلى العاجز.
و ثانيهما: من طريق الآيات و الرّوايات الدالّة على أنّ اللَّه تعالى لا يكلّف نفساً بغير المقدور، و بالجملة إنّ القدرة قيد للتكليف الفعلي في جميع الموارد عقلًا و شرعاً.
و لكن بعض الأعاظم فصّل بين الموارد و قسّمها إلى قسمين: قسم تعتبر القدرة فيه بحكم العقل فيدخل في بحث الترتّب، و قسم تعتبر القدرة فيه بحكم الشرع فلا يدخل في بحث الترتّب.
الأمر الثالث: كان البحث إلى هنا في الترتّب بين الواجبين، و لكن هل يمكن الترتّب في اجزاء واجب واحد إذا كان أحد الأجزاء أهمّ من الجزء الآخر، أم لا؟ فإذا كان المكلّف قادراً بإتيان أحد الجزءين كالركوع و السجود، و كان أحدهما أهمّ من الآخر فلو ترك الأهمّ و أتى بالمهمّ فهل يقع الواجب صحيحاً من باب الأمر الترتّبي أو لا؟ فقد حكي عن جماعة من المحقّقين القول بكونه داخلًا في باب الترتّب مع أنّ الإنصاف عدم جريانه في اجزاء الواجب، لأنّ أجزاء الواجب تدريجية الوجود فهو مأمور بالقيام مثلًا في هذا الآن و ليس مأموراً بالجلوس، فإذا جلس بطلت الصّلاة.
و بعبارة اخرى: إذا كانت الأجزاء تدريجية الوجود كانت باعثية الأمر إليها أيضاً تدريجية، فالمكلّف في هذا الآن مبعوث إلى الجزء المتقدّم و ليس مبعوثاً إلى الجزء المتأخّر حتّى كان حفظ القدرة لإتيانه واجباً عليه و لو كان أهمّ من الجزء المتقدّم.
الأمر الرابع: ما مرّ بناءً على جواز الترتّب من أنّ وجوب المهمّ مشروط بعصيان الأهمّ هل هو على نحو الشرط المتقدّم أو المقارن أو المتأخّر؟
لا إشكال في عدم كونه على نحو الشرط المتقدّم، لأنّ معناه أنّ عصيان الأهمّ في الزمان الخاصّ به شرط الإتيان بالمهمّ في الزمان الخاصّ به، أي «إن عصيت الأمر بالأهمّ و مضى زمانه ائت بالمهمّ»، و من الواضح أنّه حينئذ خارج عن محلّ البحث لأنّ محلّ البحث في الترتّب إنّما هو الأمر بالضدّين في زمان واحد على نحو ترتّب أحدهما على الآخر رتبة، بينما هنا يكون الأمر بالضدّين في زمانين مختلفين، و أمّا الشرط المقارن فلا بأس به، لأنّ معناه أنّ الأمر بالمهمّ مقارن زماناً مع عصيان الأهمّ و أنّ يتوجه إلى المكلّف في نفس لحظة عصيان الأهمّ، و كذلك الشرط المتأخّر لأنّه معناه توجه الأمر بالمهمّ إلى المكلّف حينما قصد عصيان الأهمّ.