أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٣ - نقد كلام التهذيب
و ثانياً: الآيات و الرّوايات الواردة في هذا المجال، فمن الآيات مضافاً إلى ما مرّ آنفاً قوله تعالى: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ» و قوله: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» و قوله: «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً»، و من الرّوايات أيضاً مضافاً إلى ما مرّ آنفاً ما روي عن النبي ٦: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم». هذا بالنسبة إلى الحكم الفعلي، و أمّا بالنسبة إلى الحكم الإنشائي فيمكن أن يقال بعدم كونه مقيّداً بالقدرة، و كذا الكلام بالنسبة إلى العلم فإنّه من شرائط الوجوب بالنسبة إلى مقام الفعليّة و إن كان الحكم الإنشائي مطلقاً من هذه الجهة شاملًا للعالم و الجاهل، فراجع ما ذكروه في باب الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري تجده شاهداً على هذا المعنى.
الموقع الرابع: في استشهاده لعدم أخذ القدرة قيداً في الحكم بجريان البراءة عند الشكّ فيها- فإنّه قد اجيب عنه في محلّه من أنّه و إن كانت القاعدة عند الشكّ في التكليف البراءة، و لكن العقلاء يجرون الاحتياط في خصوص الشكّ في القدرة من دون لزوم قبح العقاب بلا بيان، لأنّ جريان البراءة في موارد الشكّ في القدرة يستلزم تعطيل أغراض المولى و عدم الحصول عليها في كثير من الموارد، و من هذا الباب الاحتياط و لزوم الفحص لتشخيص النصاب و حصول الاستطاعة و موضوع الخمس، و بالجملة إنّ بناء العقلاء مبنيّ على جريان الاحتياط عند الشكّ في القدرة، نظير جريانه في الشبهات قبل الفحص، فوجوب الاحتياط في هذه الموارد مستند إلى قاعدة عقلائيّة لا إلى عدم أخذ القدرة في المأمور به.
الموقع الخامس: فيما أفاده في المقدّمة السابعة من «أنّ المحال هو طلب الجمع بين الضدّين لا الأمر بالضدّين» ففيه: إذا كان الأمر أنّ المتعلّقان بالضدّين مطلقين و لم يكن أحدهما مشروطاً بترك الآخر كان لازمه طلب الجمع كما إذا قال المولى لعبده: «انقذ هذا و انقذ هذا» لأنّ المفروض أنّ لكلّ واحد منهما بعثاً يخصّه، و الجمع بين البعثين في آنٍ واحد محال.
الموقع السادس: فيما أفاده في آخر كلامه من «حكم العقل بالتخيير في صورة تساوي متعلّقي التكليفين في المصلحة، و أمّا إذا كان أحدهما أهمّ فإن اشتغل بإتيان الأهمّ فهو معذور في ترك المهمّ و إن اشتغل بالمهمّ فقد أتى بالمأمور به الفعلي لكن لا يكون معذوراً في ترك الأهمّ» فهو حقّ و لكن لا يكون الترتّب إلّا هذا، فإنّ عدم عقابه بترك المهمّ عند الاشتغال بالأهمّ مع عقابه في صورة العكس يكون من آثار الترتّب، بل عند التحليل لا يكون إلّا الأمر بشيئين على سبيل الترتّب.