أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٢ - نقد كلام التهذيب
و بخطاب واحد، و هذا نظير ما إذا قال البائع: «بعت هذه المائة» الذي لا إشكال في انحلاله إلى مائة تمليك، و لذلك لو كان بعضها ملكاً لغير البائع صار البيع باطلًا أو فضولياً بالنسبة إليه مع بقائه على صحّته بالإضافة إلى غيره، و ليس هذا إلّا من باب تعدّد المنشأ و إن كان الخطاب و الإنشاء واحداً.
الموقع الثاني: فيما أفاده في المقدّمة الرابعة بالإضافة إلى مرتبة الإنشاء و الفعليّة من الحكم، فإنّه لا إشكال في أنّ الفارق بين الإنشاء و الفعليّة إنّما هو وجود البعث أو الزجر في مرحلة الفعليّة و عدم وجودهما في مرحلة الإنشاء، فشمول مرحلة الفعليّة للجاهل و العاجز لازمه توجّه البعث أو الزجر إليهما مع أنّ من شرائط البعث أو الزجر الانبعاث أو الانزجار، و لا إشكال في عدم انبعاثهما و عدم انزجارهما، و لذلك في مقام الجمع بين الحكم الواقعي و الحكم الظاهري نقول: إذا كان الحكم الواقعي مخالفاً للظاهري صار إنشائيّاً لأنّه حينئذٍ يكون مجهولًا للمكلّف، و الجاهل لا يمكن بعثه أو زجره، فلا يمكن أن يكون الحكم المجهول فعليّاً بالنسبة إليه.
الموقع الثالث: فيما أفاده في المقدّمة السادسة من «أنّ الأحكام الشرعيّة غير مقيّدة بالقدرة لا شرعاً و لا عقلًا و إنّما يكون العاجز معذوراً بحكم العقل» فإنّه كيف يمكن للحكيم أن يوجّه حكمه إلى العاجز على نحو الإطلاق مع التفاته بعجزه؟ أ ليس هذا تكليفاً بما لا يطاق و مخالفاً لما ورد من الآيات و الرّوايات في هذا المقام كقوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» و كقول الصادق ٧:
«اللَّه أكرم من أن يكلّف ما لا يطيقون، و اللَّه أعزّ أن يكون في سلطانه ما لا يريد»
[١]؟ و بالجملة إنّ القدرة من الشرائط العامّة للتكليف و يدلّ عليه:
أوّلًا: إنّ الإطلاق و عدم التقييد بالقدرة من جانب الحكيم قبيح عقلًا فإنّ الإطلاق و إن لم يكن بمعنى جمع القيود، و لكن تعلّق الحكم بطبيعة المتعلّق و توجّه البعث إليها بحيث تكون هي تمام المطلوب للمولى الحكيم من دون ملاحظة القدرة و العجز قبيح عليه، و بعبارة اخرى: لا إهمال في مقام الثبوت، فإمّا أنّ المولى لاحظ القدرة ثبوتاً أو لم يلاحظ، لا إشكال في ملاحظته إيّاها و لكن ترك ذكرها في الخطاب من باب الوضوح و عدم الحاجة إلى البيان عقلًا.
[١] اصول الكافي: ج ١، ص ١٦٠.