البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨١ - القاضي شرف الدين
حسن بن الداية، كان هو و إخوته من أكابر أمراء نور الدين محمود بن زنكي، و قد جعلت في حدود الأربعين و ستمائة جامعا يخطب فيه يوم الجمعة. و فيها أرسل السلطان علاء الدين محمد بن تكش إلى الملك العادل و هو مخيم بمرج الصفر رسولا، فرد إليه مع الرسول خطيب دمشق جمال الدين محمد بن عبد الملك الدولعى، و استنيب عنه في الخطابة الشيخ الموفق عمر بن يوسف خطيب بيت الأبار، فأقام بالعزيزية يباشر عنه، حتى قدم و قد مات العادل.
و فيها توفى الملك القاهر صاحب الموصل. فأقيم ابنه الصغير مكانه. ثم قتل و تشتت شمل البيت الأتابكي، و تغلب على الأمور بدر الدين لؤلؤ غلام أبيه. و فيها كان عود الوزير صفى الدين عبد اللَّه ابن على بن شكر من بلاد الشرق بعد موت العادل، فعمل فيه علم الدين مقامة بالغ في مدحه فيها، و قد ذكروا أنه كان متواضعا يحب الفقراء و الفقهاء، و يسلم على الناس إذا اجتاز بهم و هو راكب في أبهة وزارته، ثم إنه نكب في هذه السنة، و ذلك أن الكامل هو الّذي كان سبب طرده و إبعاده كتب إلى أخيه المعظم فيه، فاحتاط على أمواله و حواصله، و عزل ابنه عن النظر من الدواوين، و قد كان ينوب عن أبيه في مدة غيبته. و في رجب منها أعاد المعظم ضمان القيان و الخمور و المغنيات و غير ذلك من الفواحش و المنكرات التي كان أبوه قد أبطلها، بحيث إنه لم يكن أحد يتجاسر أن ينقل ملء كف خمر إلى دمشق إلا بالحيلة الخفية، فجزى اللَّه العادل خيرا، و لا جزى المعظم خيرا على ما فعل، و اعتذر المعظم في ذلك بأنه إنما صنع هذا المنكر لقلة الأموال على الجند، و احتياجهم إلى النفقات في قتال الفرنج. و هذا من جهله و قلة دينه و عدم معرفته بالأمور، فان هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء و ينصرهم عليهم، و يتمكن منهم الداء و يثبط الجند عن القتال، فيولون بسببه الأدبار، و هذا مما يدمر و يخرب الديار و يديل الدول، كما في الأثر «إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني». و هذا ظاهر لا يخفى على فطن.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
القاضي شرف الدين
أبو طالب عبد اللَّه بن زين القضاة عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى اللخمي الضرير البغدادي، كان ينسب إلى علم الأوائل، و لكنه كان يتستر بمذهب الظاهرية، قال فيه ابن الساعي: الداوديّ المذهب، المعرى أدبا و اعتقادا، و من شعره:
إلى اللَّه أشكو ما ألاقى* * * غداة عدوا على هوج النياق
سألتكم بمن زم المطايا* * * أمر بكم أمر من الفراق؟
و هل ذل أشد من التنائي* * * و هل عيش ألذ من التلاق؟
قاضى قضاة بغداد.