البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٢ - ثم دخلت سنة ثنتين و تسعين و ستمائة
ثم دخلت سنة ثنتين و تسعين و ستمائة
في تاريخ ظهير الدين الكازروني ظهرت نار بأرض المدينة النبويّة في هذه السنة نظير ما كان في سنة أربع و خمسين على صفتها، إلا أن هذه النار كان يعلو لهيبها كثيرا، و كانت تحرق الصخر و لا تحرق السعف، و استمرت ثلاثة أيام.
استهلت هذه السنة و الخليفة الحاكم العباسي و سلطان البلاد الملك الأشرف بن المنصور و نائبة بمصر بدر الدين بيدرا [١]، و بالشام عز الدين أيبك الحموي، و قضاة مصر و الشام هم الذين كانوا في التي قبلها، و الوزير شمس الدين بن السلعوس. و في جمادى الآخرة قدم الأشرف دمشق فنزل في القصر الأبلق و الميدان الأخضر، و جهز الجيوش و تهيأ لغزو بلاد سيس، و قدم في غضون ذلك رسل صاحب بلاد سيس يطلبون الصلح، فشفع الأمراء فيهم فسلموا بهسنا و تل حمدون.
و مرعش، و هي أكبر بلادهم و أحسنها و أحصنها، و هي في فم الدربند، ثم ركب السلطان في ثانى رجب نحو سلمية بأكثر الجيش صورة أنه يريد أن يصيب الأمير حسام الدين لاجين، فأضافه الأمير مهنا بن عيسى، فلما انقضت الضيافة أمسك له حسام الدين لاجين، و كان عنده، فجاء به فسجنه في قلعة دمشق و أمسك مهنا بن عيسى و ولى مكانه محمد بن على بن حذيفة، ثم أرسل السلطان جمهور الجيش بين يديه إلى الديار المصرية صحبة نائبة بيدرا، و وزيره ابن السلعوس، و تأخر هو في خاصكيته ثم لحقهم.
و في المحرم منها حكم القاضي حسام الدين الرازيّ الحنفي بالتشريك بين العلويين و الجعفريين في الدباغة التي كانوا يتنازعونها من مدة مائتي سنة، و كان ذلك يوم الثلاثاء سادس عشرين المحرم، بدار العدل، و لم يوافقه ابن الخويى و لا غيره، و حكم للاعناكيين بصحة نسبهم إلى جعفر الطيار.
و فيها رسم الأشرف بتخريب قلعة الشوبك فهدمت، و كانت من أحصن القلاع و أمنعها و أنفعها، و إنما خربها عن رأى عتبة العقبي، و لم ينصح للسلطان فيها و لا للمسلمين، لأنها كانت شجى في حلوق الأعراب الذين هناك. و فيها أرسل السلطان الأمير علم الدين الدويدارى إلى صاحب القسطنطينية و إلى أولاد بركة و مع الرسول تحفا كثيرة جدا، فلم يتفق خروجه حتى قتل السلطان فعاد إلى دمشق.
و في عاشر جمادى الأولى درس القاضي إمام الدين القزويني بالظاهرية البرانية. و حضر عنده القضاة و الأعيان. و في الثاني و العشرين من ذي الحجة يوم الاثنين طهر الملك الأشرف أخاه الملك الناصر محمد و ابن أخيه الملك المعظم مظفر الدين موسى بن الصالح على بن المنصور، و عمل مهم عظيم و لعب الأشرف بالقبق و تمت لهم فرحة هائلة، كانت كالوداع لسلطنته من الدنيا. و في أول
[١] في شذرات الذهب: بندار.