البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠ - العماد الكاتب الأصبهاني
مشهودا، حتى قيل: إنه أفطر جماعة من الناس من كثرة الزحام و شدة الحر، و قد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات:
يا كثير العفو لمن* * * كثرت الذنوب لديه
*
جاءك المذنب يرجو الصفح* * * عن جرم يديه
أنا ضيف و جزاء* * * الضيف إحسان إليه
و قد كان له من الأولاد الذكور ثلاثة: عبد العزيز- و هو أكبرهم- مات شابا في حياة والده في سنة أربع و خمسين، ثم أبو القاسم على، و قد كان عاقا لوالده إلبا عليه في زمن المحنة و غيرها، و قد تسلط على كتبه في غيبته بواسط فباعها بأبخس الثمن، ثم محيي الدين يوسف، و كان أنجب أولاده و أصغرهم ولد سنة ثمانين و وعظ بعد أبيه، و اشتغل و حرر و أتقن و ساد أقرانه، ثم باشر حسبة بغداد، ثم صار رسول الخلفاء إلى الملوك بأطراف البلاد، و لا سيما بنى أيوب بالشام، و قد حصل منهم من الأموال و الكرامات ما ابتنى به المدرسة الجوزية بالنشابين بدمشق، و ما أوقف عليها، ثم حصل له من سائر الملوك أموالا جزيلة، ثم صار أستاذ دار الخليفة المستعصم في سنة أربعين و ستمائة، و استمر مباشرها إلى أن قتل مع الخليفة عام هارون تركي بن جنكيزخان، و كان لأبى الفرج عدة بنات منهن رابعة أم سبطه أبى المظفر بن مزعلى صاحب مرآة الزمان، و هي من أجمع التواريخ و أكثرها فائدة، و قد ذكره ابن خلكان في الوفيات فأثنى عليه و شكر تصانيفه و علومه.
العماد الكاتب الأصبهاني
محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد اللَّه بن على بن محمود بن هبة اللَّه بن أله- بتشديد اللام و ضمها-، المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني، صاحب المصنفات و الرسائل، و هو قرين القاضي الفاضل، و اشتهر في زمنه، و من اشتهر في زمن الفاضل فهو فاضل، ولد بأصبهان في سنة تسع عشرة و خمسمائة، و قدم بغداد فاشتغل بها على الشيخ أبى منصور سعيد بن الرزاز مدرس النظامية، و سمع الحديث ثم رحل إلى الشام فحظي عند الملك نور الدين محمود بن زنكي، و كتب بين يديه و ولاه المدرسة التي أنشأها داخل باب الفرج التي يقال لها العماديّة، نسبة إلى سكناه بها و إقامته فيها، و تدريسه بها، لا أنه أنشأها و إنما أنشأها نور الدين محمود، و لم يكن هو أول من درس بها، بل قد سبقه إلى تدريسها غير واحد، كما تقدم في ترجمة نور الدين، ثم صار العماد كاتبا في الدولة الصلاحية و كان الفاضل يثنى عليه و يشكره، قالوا: و كان منطوقه يعتريه جمود و فترة، و قريحته في غاية الجودة و الحدة، و قد قال القاضي الفاضل لأصحابه يوما: قولوا فتكلموا و شبهوه في هذه الصفة بصفات فلم يقبلها القاضي، و قال: هو كالزناد ظاهره بارد و داخله نار، و له من المصنفات الجريدة جريدة النصر في شعراء العصر، و الفتح القدسي، و البرق السامي و غير ذلك من المصنفات المسجعة، و العبارات المتنوعة