البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٤ - ثم دخلت سنة ثمانين و ستمائة من الهجرة
قضاء حلب في هذا الشهر تاج الدين يحيى بن محمد بن إسماعيل الكردي، و جلس الملك المنصور في دار العدل في هذا الشهر فحكم و أنصف المظلوم من الظالم، و قدم عليه صاحب حماة فتلقاه المنصور بنفسه في موكبه، و نزل بداره بباب الفراديس. و في ربيع الأول وقع الصلح بين الملك المنصور قلاوون و بين سنقر الأشقر الملك الكامل على أن يسلم للسلطان شيزر و يعوضه عنها بأنطاكية و كفر طاب و شغر بكاس و غير ذلك، و على أن يقيم على ما بيده ستمائة فارس، و تحالفا على ذلك، و دقت البشائر لذلك، و كذلك تصالح صاحب الكرك و الملك المنصور خضر بن الظاهر على تقرير ما بيده و نودي بذلك في البلاد. و في العشر الأول من هذا الشهر ضمن الخمر و الزنا بدمشق، و جعل عليه ديوان و مشد، فقام في إبطال ذلك جماعة من العلماء و الصلحاء و العباد، فأبطل بعد عشرين يوما، و أريقت الخمور و أقيمت الحدود و للَّه الحمد و المنة.
و في تاسع عشر ربيع الأول وصلت الخاتون بركة خان زوجة الملك الظاهر و معها ولدها السعيد قد نقلته من قرية المساجد بالقرب من الكرك لتدفنه عند أبيه بالتربة الظاهرية، فرفع بحبال من السور و دفن عند والده الظاهر، و نزلت أمه بدار صاحب حمص، و هيئت لها الاقامات، و عمل عزاء ولدها يوم الحادي و العشرين من ربيع الآخر بالتربة المذكورة، و حضر السلطان المنصور و أرباب الدولة و القراء و الوعاظ.
و في أواخر ربيع الآخر عزل التقى بن توبة التكريتي من الوزارة بدمشق و باشرها بعده تاج الدين السهنورى، و كتب السلطان المنصور إلى مصر و غيرها من البلاد يستدعى الجيوش لأجل اقتراب مجيء التتار، فدخل أحمد بن حجى و معه بشر كثير من الأعراب، و جاء صاحب الكرك الملك المسعود نجدة للسلطان يوم السبت الثاني عشر من جمادى الآخرة، و قدم الناس عليه و وفدوا إليه من كل مكان، و جاءته التركمان و الأعراب و غيرهم، و كثرت الأراجيف بدمشق، و كثرت العساكر بها و جفل الناس من بلاد حلب و تلك النواحي، و تركوا الغلات و الأموال خوفا من أن يدهمهم العدو من التتار، و وصلت التتر صحبة منكوتمر بن هولاكو إلى عنتاب، و سارت العساكر المنصورة إلى نواحي حلب يتبع بعضها بعضا، و نازلت التتار بالرحبة في أواخر جمادى الآخر جماعة من الاعراب، و كان فيهم ملك التتار أبغا مختفيا ينظر ما ذا يفعل أصحابه، و كيف يقاتلون أعداءه، ثم خرج المنصور من دمشق و كان خروجه منها في أواخر جمادى و قنت الخطباء و الائمة بالجوامع و المساجد في الصلوات و غيرها و جاء مرسوم من السلطان باستسلام أهل الذمة من الدواوين و الكتبة. و من لا يسلم يصلب، فأسلموا كرها، و كانوا يقولون آمنا و حكم الحاكم بإسلامنا بعد أن عرض من امتنع منهم على الصلب بسوق الخيل، و جعلت الحبال في أعناقهم، فأجابوا و الحالة هذه، و لما انتهى الملك المنصور إلى حمص كتب