البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٦ - ثم دخلت سنة ست و سبعين و ستمائة
و بستانا، و جعل للواردين إليه أشياء تصرف إليهم في نفقة و إصلاح أمتعتهم (رحمه اللَّه). و بنى على قبر أبى عبيدة بالقرب من عمتنا مشهدا، و وقف عليه أشياء للواردين إليه، و عمر جسر دامية، و جدد قبر جعفر الطيار بناحية الكرك، و وقف على الزائرين له شيئا كثيرا، و جدد قلعة صفت و جامعها، و جدد جامع الرملة و غيرها في كثير من البلاد التي كانت الفرنج قد أخذتها و خربت جوامعها و مساجدها، و بنى بحلب دارا هائلة، و بدمشق القصر الأبلق و المدرسة الظاهرية و غيرها، و ضرب الدراهم و الدنانير الجيدة الخالصة على النصح و المعاملة الجيدة الجارية بين الناس، ف(رحمه اللَّه).
و له من الآثار الحسنة و الأماكن ما لم يبن في زمن الخلفاء و ملوك بنى أيوب، مع اشتغاله في الجهاد في سبيل اللَّه و استخدم من الجيوش شيئا كثيرا، و رد إليه نحوا من ثلاثة آلاف من المغول فأقطعهم و أمرّ كثيرا منهم، و كان مقتصدا في ملبسه و مطعمه و كذلك جيشه، و هو الّذي أنشأ الدولة العباسية بعد دثورها، و بقي الناس بلا خليفة نحوا من ثلاث سنين، و هو الّذي أقام من كل مذهب قاضيا مستقلا قاضى قضاة. و كان (رحمه اللَّه) متيقظا شهما شجاعا لا يفتر عن الأعداء ليلا و لا نهارا، بل هو مناجز لأعداء الإسلام و أهله، و لم شعثه و اجتماع شمله. و بالجملة أقامه اللَّه في هذا الوقت المتأخر عونا و نصرا للإسلام و أهله، و شجا في حلوق المارقين من الفرنج و التتار، و المشركين. و أبطل الخمور و نفى الفساق من البلاد، و كان لا يرى شيئا من الفساد و المفاسد إلا سعى في إزالته بجهده و طاقته. و قد ذكرنا في سيرته ما أرشد إلى حسن طويته و سريرته، و قد جمع له كاتبه ابن عبد الظاهر سيرة مطولة، و كذلك ابن شداد أيضا. و قد ترك من الأولاد عشرة ثلاثة ذكور و سبعة إناث و مات و عمره ما بين الخمسين إلى الستين، و له أوقاف و صلات و صدقات، تقبل اللَّه منه الحسنات، و تجاوز له عن السيئات و اللَّه سبحانه أعلم.
و قام في الملك بعده ولده السعيد بمبايعة أبيه له في حال حياته، و كان عمر السعيد يومئذ دون العشرين سنة، و هو من أحسن الأشكال و أتم الرجال، و في صفر وصلت الهدايا من الفنس مع رسله إلى الديار المصرية فوجدوا السلطان قد مات، و قد أقيم الملك السعيد ولده مكانه و الدولة لم تتغير، و المعرفة بعده ما تنكرت، و لكن البلاد قد فقدت أسدها بل أسدّها و أشدها، بل الّذي بلغ أشدها، و إذا انفتحت ثغرة من سور الإسلام سدها، و كلما انحلت عقدة من عرى العزائم شدها، و كلما رامت فرقة مارقة من طوائف الطغام أن تلج إلى حومة الإسلام صدها و ردها، فسامحه اللَّه، و بل بالرحمة ثراه، و جعل الجنة متقلبه و مثواه.
و كانت العساكر الشامية قد سارت إلى الديار المصرية و معهم محفة يظهرون أن السلطان بها مريض، حتى وصلوا إلى القاهرة فجددوا البيعة للسعيد بعد ما أظهروا موت الملك السديد الّذي هو