البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٩ - صفة أخذهم دمشق و زوال ملكهم عنها سريعا
رجلا من العجم يدعى أنه من ذرية خالد بن الوليد يقال له خسرو شاه، فخرب أسوارها كمدينة حلب
صفة أخذهم دمشق و زوال ملكهم عنها سريعا
أرسل هولاكو و هو نازل على حلب جيشا مع أمير من كبار دولته يقال له كتبغانوين، فوردوا دمشق في آخر صفر فأخذوها سريعا من غير ممانعة و لا مدافع، بل تلقاهم كبارها بالرحب و السعة، و قد كتب هولاكو أمانا لأهل البلد، فقرئ بالميدان الأخضر و نودي به في البلد، فأمن الناس على وجل من الغدر، كما فعل بأهل حلب، هذا و القلعة ممتنعة مستورة، و في أعاليها المجانيق منصوبة و الحال شديدة، فأحضرت التتار منجنيقا يحمل على عجل و الخيول تجرها، و هم راكبون على الخيل و أسلحتهم على أبقار كثيرة، فنصب المنجانيق على القلعة من غربيها، و خربوا حيطانا كثيرة و أخذوا حجارتها و رموا بها القلعة رميا متواترا كالمطر المتدارك، فهدموا كثيرا من أعاليها و شرافاتها و تداعت للسقوط فأجابهم متوليها في آخر ذلك النهار للمصالحة، ففتحوها و خربوا كل بدنة فيها، و أعالى بروجها، و ذلك في نصف جمادى الأولى من هذه السنة، و قتلوا المتولي بها بدر الدين بن قراجا، و نقيبها جمال الدين ابن الصيرفي الحلبي، و سلموا البلد و القلعة إلى أمير منهم يقال له إبل سيان، و كان لعنه اللَّه معظما لدين النصارى، فاجتمع به أساقفتهم و قسوسهم، فعظمهم جدا، و زار كنائسهم، فصارت لهم دولة و صولة بسببه، و ذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو و أخذوا معهم هدايا و تحفا، و قدموا من عنده و معهم أمان فرمان من جهته، و دخلوا من باب توما و معهم صليب منصوب يحملونه على رءوس الناس، و هم ينادون بشعارهم و يقولون: ظهر الدين الصحيح دين المسيح. و يذمون دين الإسلام و أهله، و معهم أواني فيها خمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمرا، و قماقم ملآنة خمرا يرشون منها على وجوه الناس و ثيابهم، و يأمرون كل من يجتازون به في الأزقة و الأسواق أن يقوم لصليبهم، و دخلوا من درب الحجر فوقفوا عند رباط الشيخ أبى البيان، و رشوا عنده خمرا، و كذلك على باب مسجد درب الحجر الصغير و الكبير، و اجتازوا في السوق حتى وصلوا درب الريحان أو قريب منه، فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم إلى سوق كنيسة مريم، فوقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفة السوق فمدح دين النصارى و ذم دين الإسلام و أهله، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ثم دخلوا بعد ذلك إلى كنيسة مريم و كانت عامرة و لكن كان هذا سبب خرابها و للَّه الحمد. و حكى الشيخ قطب الدين في ذيله على المرآة أنهم ضربوا بالناقوس في كنيسة مريم فاللَّه أعلم.
قال و ذكر أنهم دخلوا إلى الجامع بخمر و كان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيرا من المساجد و غيرها، و لما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين و الشهود و الفقهاء فدخلوا القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلمها إبل سيان فأهينوا و طردوا، و قدم كلام رؤساء النصارى عليهم ف إِنَّا لِلَّهِ