البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٥ - خليفة الوقت المستعصم باللَّه
الجماعة كما كان أبوه و جده، و لكن كان فيه لين و عدم تيقظ و محبة للمال و جمعه، و من جملة ذلك أنه استحل الوديعة التي استودعه إياها الناصر داود بن المعظم و كانت قيمتها نحوا من مائة ألف دينار فاستقبح هذا من مثل الخليفة، و هو مستقبح ممن هو دونه بكثير، بل من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، كما قال اللَّه تعالى وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً.
قتلته التتار مظلوما مضطهدا في يوم الأربعاء رابع عشر صفر من هذه السنة، و له من العمر ستة و أربعون سنة و أربعة أشهر. و كانت مدة خلافته خمسة عشر سنة و ثمانية أشهر و أياما، ف(رحمه اللَّه) و أكرم مثواه، و بل بالرأفة ثراه. و قد قتل بعده ولداه و أسر الثالث مع بنات ثلاث من صلبه، و شغر منصب الخلافة بعده، و لم يبق في بنى العباس من سد مسده، فكان آخر الخلفاء من بنى العباس الحاكمين بالعدل بين الناس، و من يرتجى منهم النوال و يخشى الباس، و ختموا بعبد اللَّه المستعصم كما فتحوا بعبد اللَّه السفاح، بويع له بالخلافة و ظهر ملكه و أمره في سنة ثنتين و ثلاثين و مائة، بعد انقضاء دولة بنى أمية كما تقدم بيانه، و آخرهم عبد اللَّه المستعصم و قد زال ملكه و انقضت خلافته في هذا العام، فجملة أيامهم خمسمائة سنة و أربع و عشرون سنة، و زال ملكهم عن العراق و الحكم بالكلية مدة سنة و شهور في أيام البساسيري بعد الخمسين و أربعمائة، ثم عادت كما كانت. و قد بسطنا ذلك في موضعه في أيام القائم بأمر اللَّه و للَّه الحمد.
و لم تكن أيدي بنى العباس حاكمة على جميع البلاد كما كانت بنو أمية قاهرة لجميع البلاد و الأقطار و الأمصار، فإنه خرج عن بنى العباس بلاد المغرب، ملكها في أوائل الأمر بعض بنى أمية ممن بقي منهم من ذرية عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، ثم تغلب عليه الملوك بعد دهور متطاولة كما ذكرنا، و قارن بنى العباس دولة المدعين أنهم من الفاطميين ببلاد مصر و بعض بلاد المغرب، و ما هنالك، و بلاد الشام في بعض الأحيان و الحرمين في أزمان طويلة [و كذلك أخذت من أيديهم بلاد خراسان و ما وراء النهر، و تداولتها الملوك دولا بعد دول، حتى لم يبق مع الخليفة منهم إلا بغداد و بعض بلاد العراق، و ذلك لضعف خلافتهم و اشتغالهم بالشهوات و جمع الأموال في أكثر الأوقات، كما ذكر ذلك مبسوطا في الحوادث و الوفيات] [١] و استمرت دولة الفاطميين قريبا من ثلاثمائة سنة حتى كان آخرهم العاضد الّذي مات بعد الستين و خمسمائة في الدولة الصلاحية الناصرية القدسية، و كانت عدة ملوك الفاطميين أربعة عشر ملكا متخلفا، و مدة ملكهم تحريرا من سنة سبع و تسعين و مائتين إلى أن توفى العاضد سنة بضع و ستين و خمسمائة، و العجب أن خلافة النبوة التالية لزمان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كانت ثلاثين سنة كما نطق بها
[١] زيادة من نسخة أخرى بالآستانة.