البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٤ - خليفة الوقت المستعصم باللَّه
و ذكر أبو شامة و شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي و قطب الدين اليونينى أنه أصاب الناس في هذه السنة بالشام وباء شديد، و ذكروا أن سبب ذلك من فساد الهواء و الجو، فسد من كثرة القتلى ببلاد العراق و انتشر حتى تعدى إلى بلاد الشام فاللَّه أعلم.
و في هذه السنة اقتتل المصريون مع صاحب الكرك الملك المغيث عمر بن العادل الكبير، و كان في حبسه جماعة من أمراء البحرية، منهم ركن الدين بيبرس البندقداري، فكسرهم المصريون و نهبوا ما كان معهم من الأثقال و الأموال، و أسروا جماعة من رءوس الأمراء فقتلوا صبرا، و عادوا إلى الكرك في أسوإ حال و أشنعه، و جعلوا يفسدون في الأرض و يعيثون في البلاد، فأرسل اللَّه الناصر صاحب دمشق فبعث جيشا ليكفهم عن ذلك، فكسرهم البحرية و استنصروا فبرز إليهم الناصر بنفسه فلم يلتفتوا إليه و قطعوا أطناب خيمته التي هو فيها بإشارة ركن الدين بيبرس المذكور، و جرت حروب و خطوب يطول بسطها و باللَّه المستعان.
و ممن توفى في هذه السنة من الأعيان.
خليفة الوقت المستعصم باللَّه
أمير المؤمنين آخر خلفاء بنى العباس بالعراق (رحمه اللَّه)، و هو أبو أحمد عبد اللَّه بن المستنصر باللَّه أبى جعفر منصور بن الظاهر بأمر اللَّه أبى نصر محمد بن الناصر لدين اللَّه أبى العباس أحمد بن المستضيء بأمر اللَّه أبى محمد الحسن بن المستنجد باللَّه أبى المظفر يوسف بن المقتفى لأمر اللَّه أبى عبد اللَّه محمد بن المستظهر باللَّه أبى العباس أحمد بن المقتدى باللَّه أبى القاسم عبد اللَّه بن الذخيرة أبى العباس محمد بن القائم بأمر اللَّه عبد اللَّه بن القادر باللَّه أبى العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر باللَّه أبى الفضل جعفر بن المعتضد باللَّه أبى العباس أحمد بن الأمير الموفق أبى أحمد طلحة بن المتوكل على اللَّه أبى الفضل جعفر بن المعتصم باللَّه أبى إسحاق محمد بن الرشيد أبى محمد هارون بن المهدي أبى عبد اللَّه محمد ابن المنصور أبى جعفر عبد اللَّه بن محمد بن على بن عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي العباسي، مولده سنة تسع و ستمائة، و بويع له بالخلافة في العشرين من جمادى الأولى سنة أربعين، و كان مقتله في يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر سنة ست و خمسين و ستمائة، فيكون عمره يوم قتل سبعا و أربعين سنة (رحمه اللَّه تعالى). و قد كان حسن الصورة جيد السريرة، صحيح العقيدة مقتديا بأبيه المستنصر في المعدلة و كثرة الصدقات و إكرام العلماء و العباد، و قد استجاز له الحافظ ابن النجار من جماعة من مشايخ خراسان منهم المؤيد الطوسي، و أبو روح عبد العزيز بن محمد الهروي و أبو بكر القاسم بن عبد اللَّه بن الصفار و غيرهم، و حدث عنه جماعة منهم مؤدبه شيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن على بن محمد بن النيار، و أجاز هو للإمام محيي الدين ابن الجوزي، و للشيخ نجم الدين البادرائي، و حدثا عنه بهذه الاجازة. و قد كان (رحمه اللَّه) سنيا على طريقة السلف و اعتقاد