البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٠ - ثم دخلت سنة أربع و خمسين و ستمائة
على الهلاك و عادت السفن تدخل إلى وسط البلدة، و نخترق أزقة بغداد. قال و أما نحن فإنه جرى عندنا أمر عظيم: لما كان بتاريخ ليلة الأربعاء الثالث من جمادى الآخرة و من قبلها بيومين، عاد الناس يسمعون صوتا مثل صوت الرعد، فانزعج لها الناس كلهم، و انتبهوا من مراقدهم و ضج الناس بالاستغفار إلى اللَّه تعالى، و فزعوا إلى المسجد و صلوا فيه، و تمت ترجف بالناس ساعة بعد ساعة إلى الصبح، و ذلك اليوم كله يوم الأربعاء و ليلة الخميس كلها و ليلة الجمعة، و صبح يوم الجمعة ارتجت الأرض رجة قوية إلى أن اضطرب منار المسجد بعضه ببعض، و سمع لسقف المسجد صرير عظيم، و أشفق الناس من ذنوبهم، و سكنت الزلزلة بعد صبح يوم الجمعة إلى قبل الظهر، ثم ظهرت عندنا بالحرة وراء قريظة على طريق السوارقية بالمقاعد مسيرة من الصبح إلى الظهر نار عظيمة تنفجر من الأرض، فارتاع لها الناس روعة عظيمة، ثم ظهر لها دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض، فيصل إلى قبل مغيب الشمس من يوم الجمعة، ثم ظهرت النار لها ألسن تصعد في الهواء إلى السماء حمراء كأنها القلعة، و عظمت و فزع الناس إلى المسجد النبوي و إلى الحجرة الشريفة، و استجار الناس بها و أحاطوا بالحجرة و كشفوا رءوسهم و أقروا بذنوبهم و ابتهلوا إلى اللَّه تعالى و استجاروا بنبيه عليه الصلاة و السلام، و أتى الناس إلى المسجد من كل فج و من النخل، و خرج النساء من البيوت و الصبيان، و اجتمعوا كلهم و أخلصوا إلى اللَّه، و غطت حمرة النار السماء كلها حتى بقي الناس في مثل ضوء القمر، و بقيت السماء كالعلقة، و أيقن الناس بالهلاك أو العذاب، و بات الناس تلك الليلة بين مصل و تال للقرآن و راكع و ساجد، و داع إلى اللَّه عز و جل، و متنصل من ذنوبه و مستغفر و تائب، و لزمت النار مكانها و تناقص تضاعفها ذلك و لهيبها، و صعد الفقيه و القاضي إلى الأمير يعظونه، فطرح المكس و أعتق مماليكه كلهم و عبيده، و رد علينا كل ما لنا تحت يده، و على غيرنا، و بقيت تلك النار على حالها تلتهب التهابا، و هي كالجبل العظيم [ارتفاعا و] كالمدينة عرضا، يخرج منها حصى يصعد في السماء و يهوى فيها و يخرج منها كالجبل العظيم نار ترمى كالرعد. و بقيت كذلك أياما ثم سالت سيلانا إلى وادي أجلين تنحدر مع الوادي إلى الشظا، حتى لحق سيلانها بالبحرة بحرة الحاج، و الحجارة معها تتحرك و تسير حتى كادت تقارب حرة العريض، ثم سكنت و وقفت أياما، ثم عادت ترمى بحجارة خلفها و أمامها، حتى بنت لها جبلين و ما بقي يخرج منها من بين الجبلين لسان لها أياما، ثم إنها عظمت و سناؤها إلى الآن، و هي تتقد كأعظم ما يكون، و لها كل يوم صوت عظيم في آخر الليل إلى ضحوة، و لها عجائب ما أقدر أن أشرحها لك على الكمال، و إنما هذا طرف يكفى. و الشمس و القمر كأنهما منكسفان إلى الآن. و كتب هذا الكتاب و لها شهر و هي في مكانها ما تتقدم و لا تتأخر».
و قد قال فيها بعضهم أبياتا: