البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٩ - ثم دخلت سنة أربع و خمسين و ستمائة
في رأس أجيلين نار عظيمة مثل المدينة العظيمة، و ما بانت لنا إلا ليلة السبت و أشفقنا منها و خفنا خوفا عظيما، و طلعت إلى الأمير كلمته و قلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى اللَّه تعالى، فأعتق كل مماليكه و رد على جماعة أموالهم، فلما فعل ذلك قلت اهبط الساعة معنا إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فهبط و بتنا ليلة السبت و الناس جميعهم و النسوان و أولادهم، و ما بقي أحد لا في النخيل و لا في المدينة إلا عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم سال منها نهر من نار، و أخذ في وادي أجيلين و سد الطريق ثم طلع إلى بحرة الحاج و هو بحر نار يجرى، و فوقه جمر يسير إلى أن قطعت الوادي وادي الشظا، و ما عاد يجيء في الوادي سيل قط لأنها حضرته نحو قامتين و ثلث علوها، و اللَّه يا أخى إن عيشتنا اليوم مكدرة و المدينة قد تاب جميع أهلها، و لا بقي يسمع فيها رباب و لا دف و لا شرب، و تمت النار تسيل إلى أن سدت بعض طريق الحاج و بعض بحرة الحاج، و جاء في الوادي إلينا منها يسير [١] و خفنا أنه يجيئنا فاجتمع الناس و دخلوا على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و تابوا عنده جميعهم ليلة الجمعة، و أما قتيرها الّذي مما يلينا فقد طفئ بقدرة اللَّه و أنها إلى الساعة و ما نقصت إلا ترى مثل الجمال حجارة و لها دوى ما يدعنا نرقد و لا نأكل و لا نشرب، و ما أقدر أصف لك عظمها و لا ما فيها من الأهوال، و أبصرها أهل ينبع و ندبوا قاضيهم ابن أسعد و جاء وعدا إليها، و ما صبح يقدر يصفها من عظمها، و كتب الكتاب يوم خامس رجب، و هي على حالها، و الناس منها خائفون، و الشمس و القمر من يوم ما طلعت ما يطلعان إلا كاسفين، فنسأل اللَّه العافية».
قال أبو شامة: و بان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان، و كنا حيارى من ذلك أيش هو؟ الى أن جاءنا هذا الخبر عن هذه النار.
قلت: و كان أبو شامة قد أرخ قبل مجيء الكتب بأمر هذه النار، فقال: و فيها في ليلة الاثنين السادس عشر من جمادى الآخرة خسف القمر أول الليل، و كان شديد الحمرة ثم انجلى، و كسفت الشمس، و في غده احمرت وقت طلوعها و غروبها و بقيت كذلك أياما متغيرة اللون ضعيفة النور، و اللَّه على كل شيء قدير، ثم قال: و اتضح بذلك ما صوره الشافعيّ من اجتماع الكسوف و العيد، و استبعده أهل النجامة.
ثم قال أبو شامة: «و من كتاب آخر من بعض بنى الفاشانى بالمدينة يقول فيه: وصل إلينا في جمادى الآخرة نجابة من العراق و أخبروا عن بغداد أنه أصابها غرق عظيم حتى طفح الماء من أعلى أسوار بغداد إليها، و غرق كثير منها، و دخل الماء دار الخلافة وسط البلد، و انهدمت دار الوزير و ثلاثمائة و ثمانون دارا، و انهدم مخزن الخليفة، و هلك من خزانة السلاح شيء كثير، و أشرف الناس
[١] في النسخة المصرية «قتير».