البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٥ - الملك العزيز الظاهر
إلى العراق و احتاز بإربل سنة أربع و ستمائة، فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتنى بالمولد النبوي، فعمل له كتاب التنوير في مولد السراج المنير و قرأه عليه بنفسه، فأجازه بألف دينار، قال و قد سمعناه على الملك المعظم في ستة مجالس في سنة ست و عشرين و ستمائة. قلت و قد وقفت على هذا الكتاب و كتبت منه أشياء حسنة مفيدة. قال ابن خلكان: و كان مولده في سنة أربع و أربعين و خمسمائة، و قيل ست أو تسع و أربعين و خمسمائة، و توفى في هذه السنة، و كان أخوه أبو عمرو عثمان قد باشر بعده دار الحديث الكاملية بمصر، و توفى بعده بسنة. قلت: و قد تكلم الناس فيه بأنواع من الكلام، و نسبه بعضهم إلى وضع حديث في قصر صلاة المغرب، و كنت أود أن أقف على إسناده لنعلم كيف رجاله، و قد أجمع العلماء كما ذكره ابن المنذر و غيره على أن المغرب لا يقصر، و اللَّه سبحانه و تعالى يتجاوز عنا و عنه بمنه و كرمه.
ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين و ستمائة
فيها حاصرت التتار إربل بالمجانيق و نقبوا الأسوار حتى فتحوها عنوة فقتلوا أهلها و سبوا ذراريهم، و امتنعت عليهم القلعة مدة، و فيها النائب من جهة الخليفة، فدخل فصل الشتاء فأقلعوا عنها و انشمروا إلى بلادهم، و قيل إن الخليفة جهز لهم جيشا فانهزم التتار. و فيها استخدم الصالح أيوب بن الكامل صاحب حصن كيفا الخوارزمية الذين تبقوا من جيش جلال الدين و انفصلوا عن الرومي، فقوى جأش الصالح أيوب. و فيها طلب الأشرف موسى بن العادل من أخيه الكامل الرقة لتكون قوة له و علفا لدوابه إذا جاز الفرات مع أخيه في البواكير، فقال الكامل: أما يكفيه أن معه دمشق مملكة بنى أمية؟ فأرسل الأشرف الأمير فلك الدين بن المسيري إلى الكامل في ذلك، فأغلظ له الجواب، و قال: أيش يعمل بالملك؟ يكفيه عشرته للمغانى و تعلمه لصناعتهم. فغضب الأشرف لذلك و بدت الوحشة بينهما، و أرسل الأشرف إلى حماه و حلب و بلاد الشرق فحالف أولئك الملوك على أخيه الكامل، فلو طال عمر الأشرف لأفسد الملك على أخيه، و ذلك لكثرة ميل الملوك إليه لكرمه و شجاعته و شح أخيه الكامل، و لكنه أدركته منيته في أول السنة الداخلة (رحمه اللَّه تعالى).
و ممن توفى فيها من الأعيان
الملك العزيز الظاهر
صاحب حلب محمد بن السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازى بن الملك الناصر صلاح الدين فاتح القدس الشريف، و هو و أبوه و ابنه الناصر أصحاب ملك حلب من أيام الناصر، و كانت أم العزيز الخاتون بنت الملك العادل أبى بكر بن أيوب، و كان حسن الصورة كريما عفيفا، توفى و له من العمر أربع و عشرون سنة، و كان مدبر دولته الطواشى شهاب الدين، و كان من الأمراء (رحمه اللَّه)