أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٨ - اعتبار الصراحة في حكم القذف
وفي بعض ما ورد من طرق العامّة أيضاً شاهد عليه، وهو ما رواه البيهقي في سننه عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) حيث أتاه رجل وقال: إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسوداً، فقال له النبي (ص): «هل لك إبل؟» قال: نعم، قال (ص): «ما لونها؟» قال: حمراء قال: «هل فيها غير هذا اللون؟» قال: نعم، قال: «لماذا؟» قال: لعلّ عرقاً نزعه. قال (ص): «لعلّ إبنك ولد أيضاً كذا»[١] والحديث نقلناه بالمعنى.
ولعلّ المراد منه أنّه كان فيه وراثة من بعض آبائه السابقين فنزع ذلك العرق وظهرت هذه الصفة، والوراثة القديمة في الصفات أمر يعرفه العلم اليوم.
وقول الأعرابي كناية عن زنا زوجته، ولكن لم يتعرّض له النبي (ص)، فالقذف حيث لم يكن صريحاً لم يجر عليه حكم. إلى غير ذلك ممّا ورد في هذا المعنى.
هذا وقوله: «لست لأبيك» ليس ظاهراً عندنا لاحتمال الشبهة، ولعلّه كان ظاهراً في زمن الإمام (ع) في القذف.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ المراد بالصريح هو الصريح العرفي الشامل للنصّ والظاهر المصطلح فإنّه يصدق عليه الصراحة عرفاً، ويظهر من عبارة صاحب «الجواهر» دعوى الإجماع عليه[٢] وهو قريب.
ويدلّ عليه مضافاً إلى ما عرفت من صدق الرمي والقذف وغير ذلك من عناوين الأدلّة أنّ الأمثلة التي وردت في روايات هذا الباب وكلمات الأصحاب ليست صريحة لا يحتمل إرادة الخلاف فيها، بل لا تتجاوز غالباً الظهور العرفي، فقوله: «لست لأبيك» يمكن أن يراد منه أنّه ليست صفاته الفاضلة فيك، وقوله: «يازاني» يمكن أن يراد منه زنا البصر وشبهه، فليس شيء من ذلك صريحاً
[١]. السنن الكبرى، البيهقي ٢٥٢: ٨.
[٢]. جواهر الكلام ٤٠٣: ٤١ و ٤٠٤.