أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٩ - القول في القاذف والمقذوف
الحدّ كائناً ما كان»[١]. ورواه في «المستدرك» عن مقنع الصدوق (قدس سره)[٢].
وقد استشكل على دلالة الحديث صاحب «الدرّ المنضود» من جهتين:
إحداهما: أنّالمراد منقوله: «خولط» يحتمل كونه ضعف العقل لاالجنون الواقعي.
ثانيتهما: أنّ المراد من قوله: «كائناً ما كان» عدم سقوط نفس الحدّ لا إجراؤه عليه حال جنونه، بل ينتظر إفاقته، وإلا يشمل حال النوم بل وحال الموت[٣].
هذا، وكلا الوجهين مخالف للظاهر، أمّا الأوّل فلظهور «خولط» في الجنون كما في سائر الموارد، خصوصاً بقرينة قوله: «من ذهاب عقله» في ذيل الحديث، وكذا قوله: «كائناً ما كان» ظاهر في إجرائه عليه ولو في حال الجنون لا سيّما إذا كان مطبقاً، وقياسه على حال النوم والموت كما ترى.
والظاهر أنّه- قدّس الله نفسه الزكية- لم يرتكب مخالفة هذه الظواهر إلا لاستبعاده إجراء الحدّ على المجنون مع كونه ظاهر الرواية.
ويمكن أن يقال: إنّ أثر الحدّ لا ينحصر بالمحدود فقط، بل يجري له ولغيره، وسقوط الأثر الأوّل لا ينافي بقاء الثاني.
هذا، ولكنّ الإنصاف أنّه في الأدواري لا ينبغي الشكّ في وجوب انتظار حال سلامته لخروجه عن إطلاق الرواية، مع أنّ الأصل عدم الجواز، وأمّا في المطبق فلو كان هناك إجماع قلنا به، ولو لم يكن أمكن الإشكال في الحكم لأنّ إثبات حكم الحدّ- لا سيّما مع استغرابه عقلًا- بمجرّد خبر واحد مشكل جدّاً وإن كان ظهور الحديث لا ينكر لما عرفت غير مرّة من أنّ أحكام الحدود لابدّ من إثباتها بأدلّة قويّة فوق ما يكفي في سائر الأبواب، وإلا لم يكن لقوله: «تدرأ الحدود بالشبهات» معنى.
[١]. وسائل الشيعة ١٢٥: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ الزنا، الباب ٢٦، الحديث ١.
[٢]. مستدرك الوسائل ٦٣: ١٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ الزنا، الباب ٢٤، الحديث ١.
[٣]. الدرّ المنضود ١٦٤: ٢.